مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٤٠ - باب محاسبة النفس
تعالى اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ[١] ويحك يا نفس إن كانت جرأتك على معصية الله لاعتقادك أن الله لا يراك فما أعظم كفرك و إن كان مع علمك باطلاعه عليك فما أشد وقاحتك و أقل حياءك ويحك يا نفس لو واجهك عبد من عبيدك بل أخ من إخوتك بما تكرهينه كيف كان غضبك عليه و مقتك له فبأي جسارة تتعرضين لمقت الله و غضبه و شدة عقابه أ فتظنين أنك تطيقين عذابه هيهات جربي نفسك إن ألهتك عن النظر إلى أليم عقابه فاحتبسي ساعة في الشمس أو في بيت الحمام أو قربي إصبعك من النار ليبين لك قدر طاقتك أم تغترين بكرم الله تعالى و فضله و استغنائه عن طاعتك و عبادتك فما لك لا تعولين على كرم الله تعالى في مهمات دنياك فإذا قصدك عدو فلم تستنبطين الحيل و لا تكلينه إلى كرم الله تعالى و إذا أرهقك حاجة إلى شهوة من شهوات الدنيا مما لا ينقضي إلا بالدينار و الدرهم فما لك تنزعين الروح في طلبها و تحصيلها من وجوه الحيل فلم لا تعولين على كرم الله تعالى حتى يعثرك على كنز أو يسخر عبدا من عبيده فيحمل إليك حاجتك من غير سعي منك و لا طلب أ فتحسبين أن الله كريم في الآخرة دون الدنيا و قد عرفت أن سنة الله لا تبديل لها و أن رب الدنيا هو رب الآخرة وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى. ويحك يا نفس ما أعجب نفاقك و دواعيك الباطلة فإنك تدعين الإيمان بلسانك و أثر النفاق ظاهر عليك أ لم يقل لك سيدك و مولاك وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها[٢] و قال في أمر الآخرة وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى[٣] فقد تكفل لك بأمر الدنيا خاصة فكذبته بأفعالك و أصبحت تتكالبين على طلبها تكالب المدهوش المستهتر[٤] و وكل أمر الآخرة إلى سعيك فأعرضت عنها إعراض المغرور المستحقر ما هذا من علامة الإيمان.
[١] سورة الأنبياء آية ٢٦١.
[٢] سورة هود آية ٦.
[٣] سورة النجم( ٥٣) آية ٣٩.
[٤] المستهتر: الذي لا يبالى بما يفعل من القبيح و بما قيل فيه. التكالب: شدة الحرص و الاخذ كما يأخذ الكلاب بعضها من بعض.