مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٤٨ - باب ذم الدنيا
فَقَالَ مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ الْحَيَّةِ يَلِينُ مَسُّهَا وَ يَقْتُلُ سَمُّهَا فَأَعْرِضْ عَمَّا يُعْجِبُكَ مِنْهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكَ مِنْهَا وَ ضَعْ عَنْكَ هُمُومَهَا لِمَا أَيْقَنْتَ مِنْ فِرَاقِهَا وَ كُنْ آنَسَ مَا تَكُونُ فِيهَا أَحْذَرَ مَا تَكُونُ فِيهَا فَإِنَّ صَاحِبَهَا كُلُّ مَا اطْمَأَنَّ مِنْهَا إِلَى سُرُورٍ أَشْخَصَتْهُ إِلَى مَكْرُوهٍ
مثال آخر للدنيا في تعذر الخلاص من تبعاتها بعد الخوض فيها
قَالَ النَّبِيُّ ص إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْمَاشِي فِي الْمَاءِ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْشِيَ فِي الْمَاءِ إِلَّا وَ تَبْتَلُّ قَدَمَاهُ
و هذا يعرفك جهالة قوم ظنوا أنهم يخوضون في نعيم الدنيا بأبدانهم و قلوبهم عنها مطهرة و علائقها عن بواطنهم منقطعة و ذلك مكيدة الشيطان بل لو أخرجوا مما هم فيه لكانوا أعظم المتفجعين بفراقها فكما أن المشي في الماء يقتضي بللا لا محالة يلتصق بالقدم فكذلك ملابسة الدنيا يقتضي علاقة و ظلمة في القلب بل علاقة القلب مع الدنيا تمنع حلاوة العبادة
قَالَ عِيسَى ع بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ كَمَا نَظَرَ الْمَرِيضُ إِلَى الطَّعَامِ فَلَا يَتَلَذَّذُ بِهِ مِنْ شِدَّةِ الْوَجَعِ كَذَلِكَ صَاحِبُ الدُّنْيَا لَا يَتَلَذَّذُ بِالْعِبَادَةِ وَ لَا يَجِدُ حَلَاوَتَهَا مَعَ مَا يَجِدُهُ مِنْ حَلَاوَةِ الدُّنْيَا بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ الدَّابَّةَ إِذَا لَمْ تُرْكَبْ وَ تُمْتَهَنْ[١] تَصَعَّبَتْ وَ تَغَيَّرَ خُلُقُهَا كَذَلِكَ الْقُلُوبُ إِذَا لَمْ تُرَقَّقْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَ بِنَصْبِ الْعِبَادَةِ تَقْسُو وَ تَغْلُظُ وَ بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ الزِّقَّ إِذَا لَمْ يَنْخَرِقْ أَوْ يَنْحَلْ[٢] يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ وِعَاءَ الْعَسَلِ كَذَلِكَ الْقُلُوبُ إِذَا لَمْ تَخْرِقْهَا الشَّهَوَاتُ أَوْ يُدَنِّسْهَا الطَّمَعُ أَوْ يقسيها [يُقْسِهَا] النَّعِيمُ فَسَوْفَ تَكُونُ أَوْعِيَةَ الْحِكْمَةِ
وَ قَالَ نَبِيُّنَا ص إِنَّمَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا بَلَاءٌ وَ فِتْنَةٌ وَ إِنَّمَا مَثَلُ عَمَلِ أَحَدِكُمْ مَثَلُ الْوِعَاءِ إِذَا طَابَ أَعْلَاهُ طَابَ أَسْفَلُهُ وَ إِذَا خَبُثَ أَعْلَاهُ خَبُثَ أَسْفَلُهُ
مثال آخر لما بقي من الدنيا و قلته بالإضافة إلى ما سبق
قَالَ أَنَسٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص هَذِهِ الدُّنْيَا مَثَلُ ثَوْبٍ شُقَّ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ فَيَبْقَى مُتَعَلِّقاً بِخَيْطٍ فِي آخِرِهِ يُوشِكُ ذَلِكَ الْخَيْطُ أَنْ يَنْقَطِعَ
[١] امتهنه: استخدمه. احتقره.
[٢] في بعض النسخ[ أو يقمل]