مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٥٦ - باب التفكر
أن يأتي على الجميع و كذلك يطالب نفسه بالاتصاف بالمنجيات و إذا اتصف بواحدة منها كالتوبة مثلا و الندم خط عليها و اشتغل بالباقي فهذا يحتاج إليه من علت درجته و شمر جده في طلب الصالحات و أما أكثر الناس من المعدودين الصالحين فينبغي أن يثبتوا في جرائدهم المعاصي الظاهرة كأكل الشبهة و إطلاق اللسان بالغيبة و النميمة و الثناء على النفس و الإفراط في معاداة الأعداء و موالاة الأولياء و المداهنة مع الخلق في ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فإن أكثر من يعد نفسه من وجوه الصالحين لا ينفك عن جملة من هذه المعاصي في جوارحه و ما لم تطهر الجوارح من الآثام لا يمكن الاشتغال بعمارة القلب و تطهيره بل كل فريق من الناس يغلب عليهم نوع من المعصية فينبغي أن يكون تفقدهم لها و تفكرهم فيها لإزالتها و بالجملة ينبغي للسالك لطريق الصالحين الراغب فيما عندهم و في الدار الآخرة أن يترك عن قلبه حب الجاه و المال و الثناء و التعظيم فإن ذلك بذر النفاق
لِقَوْلِهِ ص حُبُّ الْجَاهِ وَ الْمَالِ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الْبَقْلَ
وَ قَوْلِهِ ص مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ أُرْسِلَا فِي زَرِيبَةِ غَنَمٍ بِأَكْثَرَ فَسَاداً فِيهَا مِنْ حُبِّ الْجَاهِ وَ الْمَالِ فِي دِينِ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ
و لا ينقطع حب الجاه و المال من القلب إلا بالقناعة باليسير من الرزق و ترك الطمع فيما في أيدي الناس فينبغي أن لا ينقطع فكر الراغب في هذا الأمر في التفطن بخفايا هذه الصفات و استنباط طريق الإخلاص منها و هذه صفات الأتقياء الصالحين و أما أمثالنا فينبغي أن يكون تفكرنا فيما يقوي إيماننا بيوم الحساب إذ لو رآنا السلف الصالحون لقالوا قطعا إن هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب فما أعمالنا أعمال من يؤمن بالجنة و النار فإن من خاف شيئا هرب منه و من رجا شيئا طلبه و قد علمنا أن الهرب من النار ترك الشهوات و الحرام و المعاصي و نحن منهمكون فيها و أن طلب الجنة بتكثير النوافل و ملازمة الطاعات و نحن مقصرون في الفرائض منها فما هذا شأن من علم الحلال و الحرام لأن الحلال يعلم ليتبع و الحرام يعلم ليجتنب فلم يحصل لنا من ثمرة العلم إلا الحرص على الدنيا و التكالب عليها فنعوذ بالله من جميع ما يباعد من الله و نسأله التيسير لكل ما يقرب منه إنه سميع مجيب