مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٥٤ - باب التفكر
و الكبير من هو كبير عند الله و يبين لها أن أصله و مبدأه من نطفة قذرة و منتهاه إلى جيفة منتنة فإذا عرف أن الكبر مهلك و أن أصله الحماقة فيتفكر في علاج إزالة ذلك بأن يتعاطى أفعاله المتواضعين. و إذا وجد في نفسه شهوة الطعام و الميل إلى الشهوات تفكر و قال لها إن هذه صفة البهائم و لو كان في شهوة الطعام و الوقاع كمال لكان ذلك من صفات الملائكة المقربين و مهما كان إلى الشره أقرب و هو عليه أغلب كان بالبهائم أشبه و عن الملائكة المقربين أبعد ثم ينظر و يتفكر فيما فيه النجاة من الأفعال فهو التوبة و الندم على الذنوب و العزم على ترك العود و الصبر على بلاء الله و الشكر على نعمائه و الخوف منه و الرجاء له و الزهد في الدنيا و الإخلاص و الصدق في الطاعات فليتفكر العبد في كل يوم في قلبه ما الذي يعوزه[١] من هذه الصفات التي هي المقربة إلى الله تعالى فإذا افتقر إلى شيء منها فليعلم أنها أحوال لا يثمرها إلا علوم و أن العلوم لا يثمرها إلا الأفكار فإذا أراد أن يكتسب لنفسه حال التوبة و الندم فليفتش ذنوبه أولا و ليتفكر فيها و ليجمعها على نفسه و ليعظمها على قلبه ثم لينظر في الوعيد و التشديد الذي ورد في الشرع و ليحقق في نفسه أنه متعرض لمقت الله به حتى ينبعث له حال الندم و إذا أراد أن يستبين له من قلبه حال الشكر فلينظر في إحسان الله إليه و أياديه عليه و إذا أراد الخوف فلينظر أولا في ذنوبه الظاهرة ثم لينظر في الموت و سكراته ثم في ما بعده من مسائلة منكر و نكير و عذاب القبر ثم في هول النداء عند نفخة الصور ثم في هول المحشر عند جميع الخلائق على صعيد ثم في المناقشة في الحساب و المضايقة في النقير و القطمير ثم أهوال القيامة ثم يصور في نفسه جهنم و دركها و مقامعها و أهوالها و أنواع العذاب فيها و قبيح صورة الزبانية و أنه كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ و أنهم كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها و إذا رأوها مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَ زَفِيراً.
[١] اعوز الشيء فلانا: احتاج الى ذلك الشيء فلم يجده و كذا عاز يعوز عوزا وزان نصرا و عوز الشى من باب علم عوزا بفتحتين عزّ فلم يوجد و هو محتاج إليه.