مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٦٠ - بيان مدح المال و الجمع بينه و بين الذم
و أما فيما يقويه على العبادة و ذلك هو المطعم و الملبس و المنكح فإن هذه الضرورات إذا لم يتيسر كان القلب منصرفا إلى تدبيرها فلا يتفرغ للدين و ما لا يتوصل إلى العبادة إلا به فهو عباده و أخذ الكفاية من الدنيا للاستعانة على الدين من الفوائد الدينية فلا يدخل في هذه التنعم و الزيادة على الحاجة فإن ذلك من حظوظ الدنيا فقط. النوع الثاني ما تصرفه إلى الناس من صدقة و استخدام و مروة[١] و وقاية العرض و الاستخدام. أما الصدقة فلا يخفى ثوابها و إنها لتطفي غضب الرب و فضائلها معروفة فلا نطول بذكرها. و أما المروءة فنعني بها صرف المال إلى الأغنياء و الأشراف في ضيافة و هدية و إعانة و ما يجري مجراه فإن هذه لا تسمى صدقة بل الصدقة ما تسلم إلى المحتاج إلا أن هذا أيضا من الفوائد الدينية إذ به يكتسب العبد الإخوان و الأصدقاء و به يكتسب صفة السخاء و يلتحق بزمرة الأسخياء فلا يوصف بالجود إلا من يصطنع المعروف و يسلك سبيل الفتوة و المروءة و هذا أيضا مما يعظم الثواب فيه فقد وردت أخبار كثيرة في الهدايا و الضيافات و إطعام الطعام من غير اشتراط الفقر و الفاقة في مصارفها. و أما وقاية العرض فنعني به بذل المال لدفع هجو الشعراء و ثلب[٢] السفهاء و دفع شرهم و قطع ألسنتهم و هذا أيضا مع تبخز فائدته في العاجلة من الحظوظ الدينية أيضا
وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا وَقَى بِهِ الْمَرْءُ عِرْضَهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ
فكيف لا و فيه منع المغتاب عن معصية الغيبة و احتراز عما يثور من كلامه من العداوة التي تحمل في المكاره و الانتقام على مجاوزة الحد في الشرع. و أما الاستخدام فهو أن الأعمال التي يحتاج إليها الإنسان لتهية أسبابه
[١] المروة- كالفتوة- و المروءة بالهمزة: كمال الرجولية و بالفارسية« جوانمردى»
[٢] ثلبه ثلبا من باب ضرب: عابه و لامه. اغتابه. سبه.