مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١١٨ - باب الغيبة
جِيرَانَهَا فَقَالَ هِيَ فِي النَّارِ وَ ذُكِرَ لَهُ امْرَأَةٌ أُخْرَى بِأَنَّهَا بَخِيلَةٌ فَقَالَ فَمَا خَيْرُهَا إِذَنْ
و هذا فاسد لأنهم كانوا يذكرون ذلك بحاجتهم إلى الأحوال بالسؤال و لم يكن غرضهم التنقص و الدليل عليه إجماع الأمة أن من ذكر غيره بما يكره فهو مغتاب لأنه داخل فيما ذكر رسول الله ص في حد الغيبة فكل هذا و إن كنت صادقا فيه فأنت به مغتاب عاص لربك و آكل لحم أخيك بدليل
مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص قَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ قَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ قِيلَ أَ رَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ ص إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ[١]
وَ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ إِنِّي قُلْتُ لِامْرَأَةٍ وَ أَنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ص إِنَّ هَذِهِ لَطَوِيلَةُ الذَّيْلِ فَقَالَ الْفِظِي الْفِظِي[٢] فَلَفَظْتُ بَضْعَةً مِنْ لَحْمٍ
اعلم أن الذكر للغيبة باللسان حرام جدا لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك و تقريعه[٣] بما يكرهه فأما التعريض فيه فهو كالتصريح و الفعل فيه كما تقول بالغمز و الرمز و الحركة و كلما يفهم فهو داخل في الغيبة و هو حرام
قَالَتْ عَائِشَةُ دَخَلَتْ عَلَيْنَا امْرَأَةٌ فَلَمَّا وَلَّتْ أَوْمَأْتُ بِيَدِي أَنَّهَا قَصِيرَةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ص قَدِ اغْتَبْتِهَا وَ نَهَانِي عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ
و من ذلك المحاكاة و غيرها من أمارات الغيبة و مثل ذلك أن يذكر عنده إنسان فيقول الحمد لله الذي لم يبتلنا بالدخول على السلطان و التبذل في طلب الحطام أو تقول نعوذ بالله من قلة الحياء نسأل الله أن يعصمنا منه و إنما قصده أن يفهم الناس عيب الغير فيذكر بصيغة الدعاء و كذلك يقدم مدح من يريد غيبته فيقول ما أحسن أحوال فلان ما كان يقصر في العبادات و لكن قد اعتراه فتور و ابتلي بما يبتلى به كلنا و هو قلة الصبر فيذكر نفسه و مقصوده أن يذم غيره و إنما مدح نفسه بالتشبه بالصالحين في ذم أنفسهم فيكون مغتابا و مرائيا و مزكيا نفسه يجمع بين ثلاث فواحش و هو يظن بجهله أنه من الصالحين المتعففين عن الغيبة و كذلك
[١] و في بعض النسخ[ اتّهمه].
[٢] اللفظ: الرمى و الدفع أي استفرغى و ادفعى من فمك.
[٣] التقريع: التوبيخ( سرزنش كردن).