مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٠٧ - بيان الطريق في معالجة الكبر و اكتساب التواضع
و لا حركة ثم يوضع في التراب فيصير جيفة منتنة قذرة كما كان في الأول نطفة مذرة ثم تبلى أعضاؤه و تتفتت أجزاؤه و تنخر[١] عظامه فيصير رميما و رفاتا و يأكل الدود أجزاءه فيبتدي بحدقتيه فيبلعهما و بخديه فيقطعهما و بسائر أجزائه فيصير روثا في أجواف الديدان و يكون جيفة يهرب عنه الحيوان و يستقذره كل إنسان و يهرب منه لشدة الأنتان فأحسن أحواله أن يعود إلى ما كان فيصير ترابا و يصير مفقودا بعد ما كان موجودا و صار كأن لم يغن بالأمس حصيدا كما كان في أول مرة أمدا مديدا و ليته بقي كذلك فما أحسنه لو ترك ترابا بل يحييه بعد طول البلى ليقاسي شدائد البلاء فيخرج من قبره بعد جمع أعضائه و أجزائه المتفرقة و يخرج إلى أهوال القيامة فينظر إلى قيامة قائمة و سماء ممزقة مشققة و أرض مبدلة و جحيم تزفر و جنة ينظر إليها المجرم فيتحسر و يرى صحائف منشورة فيقال له اقْرَأْ كِتابَكَ فيقول و ما هو فيقال كان قد وكل بك في حياتك التي تفرح بها و تتكبر بنعيمها و تفتخر بأسبابها ملكان رقيبان يكتبان عليك ما تنطق به أو تعمله من قليل و كثير و نقير و قطمير و أكل و شرب و قيام و قعود قد نسيت ذلك و أَحْصاهُ اللَّهُ فهلم إلى الحساب و استعد للجواب أو تساق إلى دار العذاب فينقطع قلبه فزعا من هول هذا الخطاب قبل أن تنشر الصحيفة و يشاهد ما فيها من مخازيه فإذا شاهدها قال يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها فهذا آخر أمره و هو قوله تعالى ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ. فما لمن هذه حاله و للتكبر بل ما له و للفرح في لحظة فضلا عن البطر و التجبر و لو رأى العبد المذنب ما في النار لصعق من وحشة خلقه و قبح صورته و لو وجد رائحته لمات من نتنها و لو وقعت قطرة من شرابه الذي يسقى منه في بحار الدنيا لصارت أنتن من الجيف فمن هذه حاله في العاقبة إلا أن يعفى عنه و هو على شك من العفو فكيف يتكبر و كيف يرى نفسه شيئا حتى يعتقد له فضلا و أي عبد لم يذنب ذنبا يستحق به العقوبة إلا أن يعفو الكريم بفضله. أ رأيت من جنى على بعض الملوك بما يستحق به ألف سوط فحبس في السجن
[١] نخر العظم أو العود من باب علم: بلى و تفتت فهو نخر و ناخر.