مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٧٦ - بيان ذم الغنى و مدح الفقر
يَا عُلَمَاءَ السَّوْءِ تَأْمُرُونَ النَّاسَ يَصُومُونَ وَ يُصَلُّونَ وَ يَتَصَدَّقُونَ وَ لَا تَفْعَلُونَ مَا تَأْمُرُونَ وَ تَدْرُسُونَ مَا لَا تَعْلَمُونَ فَيَا سَوْءَ مَا تَحْكُمُونَ تَتُوبُونَ بِالْقَوْلِ وَ الْأَمَانِيِّ وَ تَعْمَلُونَ بِالْهَوَى وَ مَا يُغْنِي عَنْكُمْ أَنْ تُنَقُّوا جُلُودَكُمْ وَ قُلُوبُكُمْ دَنِسَةٌ وَ بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ لَا تَكُونُوا كَالْمُنْخُلِ يَخْرُجُ مِنْهُ الدَّقِيقُ الطَّيِّبُ وَ يَبْقَى فِيهِ النُّخَالَةُ كَذَلِكَ أَنْتُمْ تُخْرِجُونَ الْحِكْمَةَ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ وَ يَبْقَى الْغِلُّ فِي صُدُورِكُمْ يَا عَبِيدَ الدُّنْيَا كَيْفَ يُدْرِكُ الْآخِرَةَ مَنْ لَا تَنْقَضِي مِنَ الدُّنْيَا شَهْوَتُهُ وَ لَا تَنْقَطِعُ مِنْهَا رَغْبَتُهُ بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ قُلُوبَكُمْ تَبْكِي مِنْ أَعْمَالِكُمْ جَعَلْتُمُ الدُّنْيَا تَحْتَ أَلْسِنَتِكُمْ وَ الْعَمَلَ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ لَقَدْ أَفْسَدْتُمْ آخِرَتَكُمْ فَصَلَاحُ الدُّنْيَا أَحَبُّ إِلَيْكُمْ مِنْ صَلَاحِ الْآخِرَةِ فَأَيُّ النَّاسِ أَخْسَرُ مِنْكُمْ لَوْ تَعْلَمُونَ وَيْلَكُمْ حَتَّى مَتَى تَصِفُونَ الطَّرِيقَ لِلْمُدْلِجِينَ وَ تُقِيمُونَ فِي مَحَلِّ الْمُتَحَيِّرِينَ كَأَنَّكُمْ تَدْعُونَ أَهْلَ الدُّنْيَا لِيَلُوكُوهَا لَكُمْ[١] مَهْلًا مَهْلًا وَيْلَكُمْ مَا ذَا يُغْنِي عَنِ الْبَيْتِ الْمُظْلِمِ أَنْ يُوضَعَ السِّرَاجُ فَوْقَ ظَهْرِهِ وَ جَوْفُهُ وَحِشٌ مُظْلِمٌ كَذَلِكَ لَا يُغْنِي عَنْكُمْ أَنْ يَكُونَ نُورُ الْعِلْمِ بِأَفْوَاهِكُمْ وَ أَجْوَافُكُمْ مِنْهُ وَحْشِيَّةٌ مُعَطَّلَةٌ يَا عَبِيدَ الدُّنْيَا لَا كَعَبِيدٍ أَتْقِيَاءَ وَ لَا كَأَحْرَارٍ كِرَامٍ يُوشِكُ الدُّنْيَا أَنْ تَقْلَعَكُمْ عَنْ أُصُولِكُمْ فَتُلْقِيكُمْ عَلَى وُجُوهِكُمْ ثُمَّ تُكِبُّكُمْ عَلَى مَنَاخِرِكُمْ ثُمَّ تَأْخُذُ خَطَايَاكُمْ بِنَوَاصِيكُمْ ثُمَّ يَدْفَعُكُمُ الْمُعَلِّمُ مِنْ خَلْفِكُمْ حَتَّى يُسَلِّمَكُمْ إِلَى الْمَلِكِ الدَّيَّانِ عُرَاةً فُرَادَى فَيُوقِفُكُمْ عَلَى سَوْءَاتِكُمْ ثُمَّ يَجْزِيكُمْ بِسُوءِ أَعْمَالِكُمْ
. و بعد فإني رأيت الهالك المؤثر للدنيا فسروره ممزوج بالتنغيص فيتفجر عنه أنواع الهموم و فنون المعاصي و إلى التلف و البوار مصيره فرح الهالك برجائه فلم تبق له دنياه و لم يبق له دينه خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ فيا لها من مصيبة ما أفظعها و رزية ما أجلها ألا فراقبوا الله و لا يغرنكم الشيطان و أولياؤه من الإنس بالحجج الداحضة عند الله فإنما يتكالبون على الدنيا ثم يطلبون لأنفسهم المعاذير و الحجج يزعمون أن أصحاب رسول الله ص كانت لهم أموال فيتزين المغرور بذكرهم ليعذره الناس على جمع المال و لقد دهاه الشيطان و لا يشعر.
[١] لاك اللقمة يلوك لوكا مضغها أهون مضغ و أدارها في فمه.