مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٨١ - بيان ذم الغنى و مدح الفقر
فَاحْتَلَبْتُمُوهَا وَ رَكِبْتُمُوهَا وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَقَالُوا كَرِهْنَا أَنْ نَجْعَلَ بُطُونَنَا قُبُوراً لَهَا وَ رَأَيْنَا فِي نَبَاتِ الْأَرْضِ بَلَاغاً وَ إِنَّمَا يَكْفِي ابْنَ آدَمَ أَدْنَى الْعَيْشِ مِنَ الطَّعَامِ إِنَّ مَا جَاوَزَ الْحَنَكَ مِنَ الطَّعَامِ لَمْ نَجِدْ لَهُ طَعْماً كَائِناً مَا كَانَ مِنَ الطَّعَامِ[١] ثُمَّ بَسَطَ مَلِكُ تِلْكَ الْأَرْضِ يَدَهُ خَلْفَ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَتَنَاوَلَ جُمْجُمَةً فَقَالَ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ أَ تَدْرِي مَنْ هَذَا قَالَ لَا وَ مَنْ هُوَ قَالَ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ أَعْطَاهُ اللَّهُ سُلْطَاناً عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَغَشَمَ[٢] وَ ظَلَمَ وَ عَتَا[٣] فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ ذَلِكَ مِنْهُ حَسَمَهُ[٤] بِالْمَوْتِ فَصَارَ كَالْحَجَرِ الْمُلْقَى قَدْ أَحْصَى اللَّهُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ حَتَّى يَجْزِيَهُ بِهِ فِي آخِرَتِهِ ثُمَّ تَنَاوَلَ جُمْجُمَةً أُخْرَى بَالِيَةً فَقَالَ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ هَلْ تَدْرِي مَنْ هَذَا قَالَ لَا وَ مَنْ هَذَا قَالَ مَلِكٌ مَلَكَ بَعْدَ هَذَا وَ قَدْ كَانَ يَرَى مَا صَنَعَ الَّذِي قَبْلَهُ بِالنَّاسِ مِنَ الْغَشْمِ وَ الظُّلْمِ وَ التَّجَبُّرِ فَتَوَاضَعَ وَ خَشَعَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَمَرَ بِالْعَدْلِ فِي أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ فَصَارَ كَمَا تَرَى قَدْ أَحْصَى اللَّهُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ لِيَجْزِيَهُ فِي آخِرَتِهِ ثُمَّ أَهْوَى إِلَى جُمْجُمَةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ ثُمَّ قَالَ وَ هَذِهِ الْجُمْجُمَةُ كَانَ قَدْ صَارَتْ هَكَذَا فَانْظُرْ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فَقَالَ لَهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ هَلْ لَكَ فِي صُحْبَتِي فَأَتَّخِذَكَ أَخاً وَ وَزِيراً وَ شَرِيكاً فِيمَا آتَانِيَ اللَّهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ قَالَ مَا أَصْلَحُ أَنَا وَ أَنْتَ فِي مَكَانٍ وَ لَا أَنْ نَكُونَ جَمِيعاً فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَ لِمَ قَالَ لِأَجْلِ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ لَكَ عَدُوٌّ وَ لِي صَدِيقٌ قَالَ وَ لِمَ قَالَ يُعَادُونَكَ عَلَى مَا فِي يَدَيْكَ مِنَ الْمُلْكِ وَ الْمَالِ وَ الدُّنْيَا وَ لَا أَجِدُ أَحَداً يُعَادِينِي لِرَفْضِي لِذَلِكَ وَ لِمَا عِنْدِي مِنَ الْحَاجَةِ وَ قِلَّةِ الشَّيْءِ قَالَ فَانْصَرَفَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مُتَعَجِّباً مِنْهُ وَ مُتَّعِظاً بِهِ.
[١] معناه أن الطعام إنّما يلتذ به و بطعمه ما دام في الفم فإذا جاوزه فلا يدرك له طعم يلتذ به من اي الطعام كان فلا فرق بين العلف و بين لذائذ الاطعمة بعد ذلك في عدم بقاء اللذة.
[٢] غشمه من بابى ضرب و نصر-: ظلمه.
[٣] عتا يعتو عتوا و عتيا: استكبر و جاوز الحد.
[٤] حسمه- من باب ضرب-: قطعه.