مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٠٩ - بيان الطريق في معالجة الكبر و اكتساب التواضع
ذبابة فلا ينبغي أن يفتخر بقوته و لا ينبغي لمن إذا رأى فاسقا أن يتكبر عليه و يقول إن هذا أكثر ذنبا مني إذ ذنوب القلوب من الكبر و الحسد و الرياء و الغل و الوسوسة كل ذلك شديد عند الله فربما جرى عليك في باطنك من خفايا الذنوب ما صرت به ممقوتا عند الله و قد جرى للفاسق من طاعات القلوب من حب الله و إخلاص نية و خوف و تعظيم ما أنت خال عنه و قد كفر ذلك سيئاته فينكشف الغطاء يوم القيامة فتراه فوقك بدرجات و هذا ممكن فإذا تفكرت في هذا كان عندك شغل شاغل عن التكبر و عن أن ترى نفسك فوق غيرك.
وَ قَالَ بَعْضُهُمْ مَا تَمَّ عَقْلُ عَبْدٍ حَتَّى يَكُونَ فِيهِ عَشْرُ خِصَالٍ فَعَدَّ تِسْعَةً حَتَّى بَلَغَ الْعَاشِرَةَ فَقَالَ، الْعَاشِرَةُ وَ مَا الْعَاشِرَةُ بِهَا شَادَ[١] مَجْدُهُ وَ بِهَا عَلَا ذِكْرُهُ أَنْ يَرَى النَّاسَ كُلَّهُمْ خَيْراً مِنْهُ وَ إِنَّمَا النَّاسُ فِرْقَتَانِ فِرْقَةٌ هِيَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَ أَرْفَعُ وَ فِرْقَةٌ هِيَ شَرٌّ مِنْهُ وَ أَدْنَى فَهُوَ يَتَوَاضَعُ لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعاً بِقَلْبِهِ إِنْ رَأَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ كَسَرَ نَفْسَهُ وَ تَمَنَّى أَنْ يَلْحَقَ بِهِ وَ إِنْ رَأَى مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الرَّحْمَةَ لِهَذَا وَ لِنَفْسِهِ فَلَا يَزَالُ خَائِفاً.
رُوِيَ أَنَّ عَابِداً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ يَأْوِي إِلَى جَبَلٍ فَقِيلَ لَهُ فِي النَّوْمِ ائْتِ فُلَاناً الْإِسْكَافَ فَاسْأَلْهُ أَنْ يَدْعُوَ لَكَ فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ عَمَلِهِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ يَصُومُ النَّهَارَ وَ يَكْتَسِبُ فَيَتَصَدَّقُ بِبَعْضِهِ وَ يُطْعِمُ عِيَالَهُ بَعْضَهُ فَرَجَعَ وَ هُوَ يَقُولُ إِنَّ هَذَا لَحَسَنٌ وَ لَكِنْ لَيْسَ كَالتَّفَرُّغِ لِطَاعَةِ اللَّهِ فَأُتِيَ فِي الْمَنَامِ ثَانِياً وَ قِيلَ لَهُ ائْتِ الْإِسْكَافَ وَ قُلْ لَهُ مَا هَذَا الصَّفَاءُ[٢] بِوَجْهِكَ فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ مَا رَأَيْتُ أَحَداً مِنَ النَّاسِ إِلَّا وَقَعَ لِي أَنَّهُ سَيَنْجُو وَ أَهْلِكُ أَنَا فَقَالَ الْعَابِدُ هَذِهِ.[٣]
و الذي يدل على فضيلة هذه الخصلة قوله تعالى يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ[٤].
[١] شاد يشيد شيدا: رفع. و في بعض النسخ[ ساد مجده] بالمهملة.
[٢] في بعض النسخ[ ما هذا الصفار].
[٣] في بعض النسخ[ فقال العابد بهذه].
[٤] سورة المؤمنون آية ٦٠.