مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٥٤ - بيان حقيقة الدنيا و ماهيتها في حق العبد
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى الْقَنَاعَةِ فَقَالَ سَلْمَانُ لَوْ كُنْتَ قَنِعْتَ لَمَا كَانَتْ رَكْوَتِي[١] مَرْهُونَةً
فانظر إلى هذين السيدين الكريمين المحتشمين كيف رأيا الخل و البقل زيادة
وَ رُوِيَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ع كَانَ أَكْلُهُ قُرْصَ الشَّعِيرِ وَ الْمِلْحَ الْجَرِيشَ
وَ رُوِيَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ يَقُولُ لَهُ إِنَّ إِمَامَكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدِ اقْتَنَعَ مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ[٢] وَ يَسُدُّ فَوْرَةَ جُوعِهِ بِقُرْصَيْهِ وَ لَا يَطْعَمُ الْفِلْذَةَ إِلَّا فِي سُنَّةِ أُضْحِيَّةٍ وَ لَنْ تَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ فَأَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَ اجْتِهَادٍ
انظر إلى هذا الرجل الجليل القدر العظيم الخطر لما علم حال الدنيا بنظره الثاقب كيف لفظها لفظا غير مكترث بها و كان أقدر الناس عليها
لِقَوْلِهِ وَ اللَّهِ لَوْ شِئْتُ لَتَسَرْبَلْتُ الدِّمَقْسَ[٣] مِنْ دِيبَاجِكُمْ وَ أَكَلْتُ لُبَابَ الْبُرِّ بِصُدُورِ دَجَاجِكُمْ وَ لَشَرِبْتُ الْمَاءَ الصَّافِيَ فِي رَقِيقِ زُجَاجِكُمْ
وَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص لَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْهِ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَ عَلَيْهِ إِهَابُ[٤] كَبْشٍ قَالَ انْظُرُوا إِلَى رَجُلٍ قَدْ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ وَ لَقَدْ رَأَيْتُهُ وَ هُوَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ يُغَذِّيَانِهِ بِأَطْيَبِ الْأَطْعِمَةِ وَ أَلْيَنِ اللِّبَاسِ فَدَعَاهُ حُبُّ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى مَا تَرَوْنَ
وَ إِنَّ أُوَيْسَ الْقَرَنِيِّ كَانَ يَظُنُّ أَهْلُهُ أَنَّهُ مَجْنُونٌ لِكَثْرَةِ عِبَادَتِهِ وَ تَضْيِيقِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي المَطْعَمِ فَبَنَوْا لَهُ بَيْتاً عَلَى بَابِ دُورِهِمْ فَكَانَ يَأْتِي عَلَيْهِمُ السَّنَةُ وَ السَّنَتَانِ لَا يَرَوْنَ لَهُ وَجْهاً وَ كَانَ يَخْرُجُ أَوَّلَ الْأَذَانِ وَ يَأْتِي مَنْزِلَهُ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حَتَّى إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ إِنِّي لَأَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِنْ جَانِبِ الْيَمَنِ إِشَارَةً إِلَيْهِ رض
فالزائد عنه من هذه الدنيا يلهي و اليسير منها ما يصلح به حاله يكفي و يبلغ إلى خير الآخرة و نعيمها. و مثال العبد في نسيان نفسه و مقصده مثال الحاج الذي يقف في منازل الطريق و لا يزال يعلف الناقة و يتعهدها و يتلطفها و يكسوها ألوان الثياب و يحمل عليها أنواع الحشيش و يبرد لها الماء فيشتغل بذلك فتفوته القافلة و هو غافل عن الحج و عن مرور القافلة و عن بقائه في البادية فيهلك و تفترسه السباع هو و ناقته و الحاج البصير لا يهمه
[١] الركوة- بالفتح- دلو صغير يشرب فيه الماء و الجمع ركاء و ركوات.
[٢] الطمر وزان الحبر: الثوب البالى. و الجمع أطمار
[٣] الدمقس- كالهزبر- الحرير الابيض.
[٤] الاهاب- كالكتاب-: الجلد ما لم يدبغ.