مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٨٣ - ذكر ما قال العارفون على الجنائز و المقابر
وَ قَالَ الْحَجَّاجُ عِنْدَ مَوْتِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي فَإِنَّ الْخَلْقَ مُجْتَمِعُونَ عَلَى أَنَّكَ لَا تَغْفِرُ لِي.
وَ قَالَ بَعْضُهُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ أَخَافُكَ وَ أَنَا الْيَوْمَ أَرْجُوكَ
. وَ حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْوَفَاةُ فَبَكَى فَقِيلَ مَا يُبْكِيكَ قَالَ مَا أَبْكِي جَزَعاً عَلَى الدُّنْيَا وَ لَكِنْ عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ص أَنَّهُ يَكُونُ بُلْغَةُ أَحَدِكُمْ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ رَاكِبٍ.
وَ لَمَّا حَضَرَ بَعْضَهُمُ الْوَفَاةُ غُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ فَتَحَ عَيْنَيْهِ وَ قَالَ وَا بُعْدَ سَفَرِي وَا قِلَّةَ زَادِي.
وَ بَكَى بَعْضُهُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ فَقِيلَ لَهُ مَا يُبْكِيكَ فَقَالَ آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ.
وَ قِيلَ إِنَّ بَعْضَ الزُّهَّادِ لَمَّا احْتُضِرَ وَ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ الْمَوْتُ فَقِيلَ لَهُ كَأَنَّكَ تُحِبُّ الْحَيَاةَ فَقَالَ الْقُدُومُ عَلَى اللَّهِ شَدِيدٌ.
وَ قِيلَ لِبَعْضِهِمْ أَ لَا تُوصِي بِابْنِكَ وَ عِيَالِكَ فَقَالَ إِنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أُوصِيَ بِهِمْ إِلَى غَيْرِهِ.
وَ احْتُضِرَ بَعْضُهُمْ فَبَكَتْ امْرَأَتُهُ فَقَالَ لَهَا مَا يُبْكِيكِ فَقَالَ عَلَيْكَ أَبْكِي فَقَالَ إِنْ كُنْتِ بَاكِيَةً فَابْكِي عَلَى نَفْسِكِ وَ لَقَدْ بَكَيْتُ لِهَذَا الْيَوْمِ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَ قِيلَ لِبَعْضِهِمْ وَ قَدِ احْتُضِرَ كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ قَالَ أَصْبَحْتُ مِنَ الدُّنْيَا رَاحِلًا وَ لِلْإِخْوَانِ مُفَارِقاً وَ لِسُوءِ عَمَلِي مُلَاقِياً
ذكر ما قال العارفون على الجنائز و المقابر
اعلم أن الجنازة عبرة للبصير و فيها تنبيه و تذكير و أهل الغفلة فإنهم بها لا يزيدهم مشاهدتهم إلا قساوة لأنهم يظنون أنهم أبدا إلى جنازة غيرهم ينظرون و لا يحسبون أنهم لا محالة على الجنائز يحملون أو يحسبون ذلك و لكنهم لا يقدرون أن ذلك على القرب و لا يتفكرون أن المحمولين على الجنائز كلهم هكذا كانوا يحسبون فبطل حسابهم و انقرض على القرب زمانهم فلا ينبغي أن ينظر عبد إلى الجنازة إلا و يقدر نفسه محمولا عليها و أنه