مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٤٤ - باب ذم الدنيا
مَا ذَاكَ لِهَوَانِهِمْ عَلَيَّ وَ لَكِنْ لِيَسْتَكْمِلُوا نَصِيبَهُمْ مِنْ كَرَامَتِي سَالِماً مُوَفَّراً إِنَّمَا يَتَزَيَّنُ لِي أَوْلِيَائِي بِالذُّلِّ وَ الْخُشُوعِ وَ الْخَوْفِ وَ الَّذِي يَثْبُتُ فِي قُلُوبِهِمْ فَيَظْهَرُ عَلَى أَجْسَادِهِمْ فَهِيَ ثِيَابُهُمُ الَّتِي يَلْبَسُونَ وَ دِثَارُهُمُ الَّذِي يُظْهِرُونَ وَ ضَمِيرُهُمُ الَّذِي يَسْتَشْعِرُونَ وَ نَجَاتُهُمُ الَّذِي بِهَا يَفُوزُونَ وَ دَرَجَاتُهُمُ الَّتِي إِيَّاهَا يَأْمَلُونَ وَ مَجْدُهُمُ الَّذِي بِهِ يَفْخَرُونَ وَ سِيمَاهُمُ الَّتِي بِهَا يُعْرَفُونَ فَإِذَا لَقِيتَهُمْ فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ وَ ذَلِّلْ لَهُمْ قَلْبَكَ وَ لِسَانَكَ وَ اعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ أَخَافَ لِي وَلِيّاً فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ ثُمَّ أَنَا الثَّائِرُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ الْأَيَّامُ سِهَامٌ وَ النَّاسُ أَغْرَاضٌ وَ الدَّهْرُ يَرْمِيكَ كُلَّ يَوْمٍ بِسِهَامِهِ وَ يَخْتَرِمُكَ[١] بِلَيَالِيهِ وَ أَيَّامِهِ حَتَّى يَسْتَفْرِقَ جَمِيعُ أَجْزَائِكَ فَكَمْ بَقَاءُ سَلَامَتِكَ مَعَ وُقُوعِ الْأَيَّامِ بِكَ وَ سُرْعَةِ اللَّيَالِي فِي بَدَنِكَ لَوْ كُشِفَ لَكَ عَمَّا أَحْدَثَتْ لَكَ الْأَيَّامُ مِنَ النَّقْصِ فِيكَ لَاسْتَوْحَشْتَ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَأْتِي عَلَيْكَ وَ اسْتَثْقَلْتَ مَمَرَّ السَّاعَاتِ بِكَ وَ لَكِنَّ تَدْبِيرَ اللَّهِ فَوْقَ الِاعْتِبَارِ وَ بِالسَّلْوِ[٢] عَنْ غَوَائِلِ الدُّنْيَا وُجِدَ طَعْمُ لَذَّاتِهَا وَ إِنَّهَا لِأَمْرٍ مِنَ الْعَلْقَمِ إِذَا عَجَنَهَا الْحَكِيمُ وَ قَدْ أَعْيَتِ الْوَاصِفِينَ لِعُيُوبِهَا بِظَاهِرِ أَفْعَالِهَا وَ مَا تَأْتِي بِهِ مِنَ الْعَجَائِبِ أَكْثَرُ مِمَّا يُحِيطُ بِهِ الْمَوَاعِظُ فَنَسْتَوْهِبُ اللَّهَ رُشْدَنَا إِلَى الصَّوَابِ
خَطَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ خُلِقْتُمْ لِأَمْرٍ إِنْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ بِهِ فَأَنْتُمْ حَمْقَى وَ إِنْ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ فَأَنْتُمُ الْهَلْكَى إِنَّمَا خُلِقْتُمْ لِلْأَبَدِ وَ لَكِنَّكُمْ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ تُنْقَلُونَ فَاعْمَلُوا لِمَا أَنْتُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ وَ خَالِدُونَ فِيهِ وَ يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْعَقْلِ وَ الْفَهْمِ وَ الْأَدَبِ وَ الْمَعْرِفَةِ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَهَانَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَ لَمْ يَرْضَهَا لِأَوْلِيَائِهِ وَ إِنَّهَا عِنْدَهُ حَقِيرَةٌ قَلِيلَةٌ وَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص زَهِدَ فِيهَا وَ حَذِرَ مِنْ فِتْنَتِهَا فَيَنْبَغِي لِأَهْلِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ أَنْ يَأْكُلُوا قَصْداً وَ يُقَدِّمُوا فَضْلًا وَ يَأْخُذُوا مِنْهَا مَا يَكْفِي وَ يَتْرُكُوا مَا يُلْهِي وَ يَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ مَا سَتَرَ الْعَوْرَةَ وَ يَأْكُلُوا مِنَ الطَّعَامِ أَدْنَاهُ مِمَّا يَسُدُّ الْجَوْعَةَ وَ يَنْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ أَنَّهَا فَانِيَةٌ وَ الْآخِرَةِ أَنَّهَا
[١] اخترمه: استأصله و أهلكه.
[٢] سلا يسلو سلوا الشيء و عنه: نسيه و ذهل عن ذكره.