مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٤٦ - باب ذم الدنيا
اعْلَمْ أَنَّ طَبْعَ الدُّنْيَا التَّلَطُّفُ بِالاسْتِدْرَاجِ أَوَّلًا وَ التَّوَصُّلُ إِلَى الْإِهْلَاكِ آخِراً وَ هِيَ كَالْمَرْأَةِ تُزَيَّنُ لِلْخُطَّابِ حَتَّى إِذَا أَنْكَحَتْهُمْ ذَبَحَتْهُمْ
وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ع كُوشِفَ بِالدُّنْيَا فَرَآهَا فِي صُورَةِ عَجُوزٍ هَتْمَاءَ[١] عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ زِينَةٍ فَقَالَ لَهَا كَمْ تَزَوَّجْتِ قَالَتْ لَا أُحْصِيهِمْ قَالَ وَ كُلُّهُمْ مَاتُوا أَوْ كُلُّهُمْ طَلَّقُوكَ قَالَتْ بَلْ كُلَّهُمْ قَتَلْتُ فَقَالَ عِيسَى ع بُؤْساً لِأَزْوَاجِكَ الْبَاقِينَ كَيْفَ لَا يَعْتَبِرُونَ بِأَزْوَاجِكَ الْمَاضِينَ كَيْفَ تُهْلِكِينَهُمْ وَاحِداً وَاحِداً وَ لَا يَكُونُونَ مِنْكَ عَلَى حَذَرٍ
مثال آخر للدنيا في مخالفة باطنها لظاهرها
اعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا مُزَيَّنَةُ الظَّوَاهِرِ قَبِيحَةُ السَّرَائِرِ وَ هِيَ تُشْبِهُ عَجُوزاً مُتَزَيِّنَةً تَخْدَعُ النَّاسَ بِظَاهِرِهَا فَإِذَا وَقَفُوا عَلَى بَاطِنِهَا وَ كَشَفُوا الْقِنَاعَ عَنْ وَجْهِهَا تَمَثَّلَ لَهُمْ قَبَايِحُهَا فَنَدِمُوا عَلَى اتِّبَاعِهَا[٢] وَ خَجِلُوا مِنْ ضَعْفِ عُقُولِهِمْ فِي الِاغْتِرَارِ لِظَاهِرِهَا
" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رض يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالدُّنْيَا فِي صُورَةِ عَجُوزٍ شَمْطَاءَ[٣] زَرْقَاءَ أَنْيَابُهَا بَادِيَةٌ مُشَوَّهَةٌ خَلْقُهَا وَ تُشْرِفُ عَلَى الْخَلَائِقِ فَيُقَالُ تَعْرِفُونَ هَذِهِ فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ مَعْرِفَةِ هَذِهِ فَيَقُولُ هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي تَنَاجَزْتُمْ[٤] عَلَيْهَا وَ بِهَا تَقَاطَعْتُمُ الْأَرْحَامَ وَ بِهَا تَحَاسَدْتُمْ وَ تَبَاغَضْتُمْ وَ اغْتَرَرْتُمْ ثُمَّ تُقْذَفُ فِي جَهَنَّمَ فَتَقُولُ يَا رَبِّ أَيْنَ أَتْبَاعِي وَ أَشْيَاعِي فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَلْحِقُوا بِهَا أَتْبَاعَهَا وَ أَشْيَاعَهَا
وَ قَالَ بَعْضُهُمْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا عُرِجَ بِرُوحِهِ فَإِذَا امْرَأَةٌ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ زِينَةٍ الْحُلِيِّ وَ الثِّيَابِ وَ إِذَا لَا يَمُرُّ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا جَرَحَتْهُ[٥] وَ إِذَا هِيَ أَدْبَرَتْ كَانَتْ كَأَحْسَنِ شَيْءٍ رَآهَا النَّاسُ وَ إِذَا هِيَ أَقْبَلَتْ كَانَتْ أَقْبَحَ شَيْءٍ رَآهَا النَّاسُ عَجُوزٌ شَمْطَاءُ قَالَ فَقُلْتُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكِ قَالَتْ لَا وَ اللَّهِ لَا يُعِيذُكَ اللَّهُ[٦] حَتَّى تُبْغِضَ الدِّرْهَمَ قُلْتُ مَنْ أَنْتِ قَالَتْ أَنَا الدُّنْيَا
[١] الهتماء: مؤنث الاهتم و هو الذي سقط مقدم اسنانه.
[٢] في بعض النسخ[ ابتياعها].
[٣] الشمطاء: مؤنث الاشمط و هو الذي خالط بياض رأسه سواد.
[٤] في بعض النسخ[ تشاجرتم].
[٥] جرح الشيء جرحا من باب منع- عابه و تنقصه.
[٦] في بعض النسخ[ منى].