مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢ - أول المجموع
حُكِيَ أَنَّ مَالِكاً الْأَشْتَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ مُجْتَازاً بِسُوقِ الْكُوفَةِ وَ عَلَيْهِ قَمِيصُ خَامٍ وَ عِمَامَةٌ مِنْهُ فَرَآهُ بَعْضُ السُّوقَةِ فَازْدَرَى[١] بِزِيِّهِ فَرَمَاهُ بِبُنْدُقَةٍ[٢] تَهَاوُناً بِهِ فَمَضَى وَ لَمْ يَلْتَفِتْ فَقِيلَ لَهُ وَيْلَكَ أَ تَدْرِي بِمَنْ رَمَيْتَ فَقَالَ لَا فَقِيلَ لَهُ هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع فَارْتَعَدَ الرَّجُلُ وَ مَضَى إِلَيْهِ لِيَعْتَذِرَ مِنْهُ فَرَآهُ وَ قَدْ دَخَلَ مَسْجِداً وَ هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَلَمَّا انْفَتَلَ[٣] أَكَبَّ الرَّجُلُ عَلَى قَدَمَيْهِ يُقَبِّلُهُمَا فَقَالَ مَا هَذَا الْأَمْرُ فَقَالَ أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعْتُ فَقَالَ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ فَوَ اللَّهِ مَا دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ إِلَّا لِأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ.
كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ إِذَا كَانَ عَيْشِي عَيْشَ سَفِيهٍ وَ مَوْتِي مَوْتَ جَاهِلٍ فَمَا أَغْنَى عَنِّي مَا جَمَعْتُ مِنْ طَرَائِفِ الْحِكْمَةِ
. قَالَ بَعْضُهُمْ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ مَنْ كَانَ لَهُ جَارٌ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي فَلَمْ يَنْهَهُ فَهُوَ شَرِيكُهُ
وَ عَنْهُ مَا ضُرِبَ عَبْدٌ بِعُقُوبَةٍ أَعْظَمَ مِنْ قَسْوَةِ قَلْبٍ
" قِيلَ إِنَّ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَ زَائِراً لِأَبِي الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ أَبِي الدَّرْدَاءِ مُبْتَذِلَةً[٤] فَقَالَ مَا شَأْنُكِ قَالَتْ إِنَّ أَخَاكَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا قَالَ فَلَمَّا جَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَحَّبَ بِسَلْمَانَ[٥] وَ قَرَّبَ إِلَيْهِ طَعَاماً فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ اطْعَمْ فَقَالَ إِنِّي صَائِمٌ فَقَالَ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا مَا طَعِمْتَ فَقَالَ مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ قَالَ وَ بَاتَ عِنْدَهُ فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْلُ قَامَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَحَبَسَهُ سَلْمَانُ ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَ إِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقّاً فَصُمْ وَ أَفْطِرْ وَ صَلِّ وَ نَمْ وَ أَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَأَتَى أَبُو الدَّرْدَاءِ النَّبِيَّ ص فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ لَهُ سَلْمَانُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ قَوْلِ سَلْمَانَ
[١] السوقة من الناس: الرعية. للواحد و الجمع و المذكر و المؤنث. و في بعض النسخ[ بعض أهل السوق]. و الازدراء: الاحتقار.
[٢] البندق كقنفذ: ما يعمل من الطين فيرمى به، الواحد بندقة. و في بعض النسخ[ بباقة].
[٣] انفتل: انصرف.
[٤] الابتذال: ترك الزينة.
[٥] رحّب به ترحيبا أي دعاه إلى الرحب.