مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٥٣ - باب التفكر
ذلك و أنا أنظر إلى فلان المطيع لله فانظر بعين التعظيم[١] فأدخل السرور على قلبه و كذلك يقول في سمعه إني قادر على استماع كلام ملهوف[٢] أو استماع حكمة و علم أو استماع قراءة و ذكر فما لي أعطله و قد أنعم الله تعالى به علي و أودعنيه لأشكره فما لي أكفر نعمة الله تعالى بتضييعه و تعطيله و كذلك يتفكر في اللسان و يقول إني قادر على أن أتقرب إلى الله تعالى بالتعليم و الذكر و التودد إلى قلوب أهل الصلاح و بالسؤال عن أحوال الفقراء و إدخال السرور على قلوبهم و كذلك يتفكر في ماله فيقول أنا قادر على أن أتصدق بالمال الفلاني مستغن عنه و مهما احتجت رزقني الله و إن كنت محتاجا الآن فإيثار الثواب أحوج مني إلى ذلك المال[٣]. ثم يتفكر في الأسباب المهلكات التي محلها القلب و هي البخل و الكبر و العجب و الرياء و الحسد و سوء الظن و الغفلة و غير ذلك و يتفقد من قلبه هذه الصفات فإن ظن أن قلبه منزه عنها فيتفكر في كيفية امتحانه و الاستشهاد بالعلامات عليه فإن النفس أبدا تعد بالخير من نفسها و تخلف فإذا ادعت التواضع و البراءة من الكبر يجرب نفسه بحمل حاجته من السوق إلى داره
لِقَوْلِ النَّبِيِّ ص مَنْ حَمَلَ حَاجَتَهُ فَقَدْ بَرَأَ مِنَ الْكِبْرِ
فإذا ادعت الحلم تعرض لغضب يناله من غيره ثم يجربها بكظم الغيظ و هكذا في سائر الصفات كما أنه لو رأى في نفسه عجبا بالعمل فيتفكر و يقول إنما عملي بيدي و جارحتي و بقدرتي و إرادتي و إنما هو من خلق الله و فضله فهو الذي خلقني و خلق جارحتي و خلق قدرتي و إرادتي فكيف أعجب بعملي و هذه الآلات التي صح مني العمل بها من خلق الله فالفضل و المنة لله في جميع ذلك فإذا أحس في نفسه بالكبر فيزري على نفسه[٤] ما فيه من الحماقة فيقول لها بم ترين نفسك الكبر[٥]
[١] في بعض النسخ[ و ان انظر الى فلان المطيع للّه فانظره بعين التعظيم].
[٢] الملهوف: المستغيث المظلوم. الحزين الذي ذهب ماله او فجع بقريب.
[٣] كذا في النسخ و المراد انى الى الثواب احوج منى الى المال.
[٤] في بعض النسخ« فبرز على نفسه».
[٥] في بعض النسخ« بم ترين نفسك أكبر».