مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٦٦ - بيان كيفية التفكر في خلق الله تعالى
النبات يغذي و هذا يقوي و هذا يقتل و هذا يبرد و هذا إذا حصل في المعدة قمع الصفراء من أعماق العروق و هذا يستحيل إلى الصفراء و هذا يقمع البلغم و السوداء و هذا يستحيل إليهما و هذا يصفي الدم و هذا يستحيل دما فلم ينبت من الأرض ورقة و لا نبتة إلا و فيها منافع لا يقوى البشر على الوقوف على كثرتها و لو أردنا أن نذكر اختلاف أجناس النبات و أنواعه و منافعه و أحواله و عجائبه لانقضت الأيام في وصف ذلك فيكفيك من كل جنس نبذة يسيرة تدلك على طريق الفكر في عجيب صنع اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ. و من آياته الجواهر المودعة تحت الجبال و المعادن الحاصلة من الأرض ف فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ مختلفة فانظر إلى الجبال كيف يخرج منها الجواهر النفيسة من الذهب و الفضة و الفيروزج و اللعل و غيرها بعضها منطبعة تحت المطارق كالذهب و النحاس و الرصاص و الحديد و بعضها لا ينطبع كالفيروزج و اللعل و كيف هدى الله الناس إلى استخراجها و تنقيتها و اتخاذ الأواني و الآلات و النقود و الحلي منها ثم انظر إلى معادن الأرض من النفط و الكبريت و القير و غيرها و أقلها الملح و لا يحتاج إليه إلا لتطييب الطعام و لو خلت عنه بلدة لسارع الهلاك إليها و انظر إلى رحمة الله كيف خلق بعض الأراضي سبخة[١] بجوهرها بحيث يجتمع فيها الماء الصافي من المطر فيستحيل ملحا مالحا محرقا لا يمكن تناول مثقال منه ليكون ذلك تطييبا لطعامك إذا أكلته فتهنا بعيشك و ما من جماد و لا حيوان و لا نبات إلا و فيه حكمة الله تعالى و لا خلق شيء منها عبثا و لا لعبا و لا هزلا بل خلق الكل بالحق و كما ينبغي و على الوجه الذي ينبغي و كما يليق بحكمته و لطفه و جلاله و كرمه و لذلك قال وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ و من آياته ملكوت السماوات و ما فيها من الكواكب و من فاته عجائب السماوات فقد فاته الكل تحقيقا و الأرض و البحار و الهواء و كل جسم سوى السماوات بالإضافة إلى السماوات كقطرة في بحر أو أصغر ثم انظر كيف عظم الله أمر السماوات و النجوم في كتابه فما من سورة إلا و تشتمل على تفخيمها في مواضع و كم من قسم في القرآن بها كقوله تعالى وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ وَ السَّماءِ وَ الطَّارِقِ وَ ما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ وَ السَّماءِ ذاتِ
[١] السبخة- بسكون الباء و فتحها مع فتح السين: الأرض المالحة