مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٣٤ - باب محاسبة النفس
و البطن و الفرج و اليد و الرجل فإنها رعايا خادمة لنفسه. أما العين فتحفظها عن النظر إلى وجه من ليس له بمحرم أو إلى عورة مسلم أو النظر إلى مسلم بعين الاحتقار بل عن كل فضول مستغن عنه فإن الله تعالى يسأل عبده عن فضول النظر كما يسأله عن فضول الكلام ثم إذا صرفها عن هذا لم يقنع به حتى يشغلها بما فيه صلاحها و هو ما خلقت له من النظر إلى عجائب صنع الله بعين الاعتبار و النظر إلى أعمال الخير للاقتداء و النظر في كتاب الله و سنة رسوله ص و مطالعة كتب الحكمة للاتعاظ و الاستفادة و هكذا ينبغي أن يفعل في كل عضو عضو لا سيما اللسان و البطن. و أما اللسان فلأنه منطلق بالطبع و لا مئونة عليه في الحركة و جنايته عظيمة بالغيبة و الكذب و النميمة و تزكية النفس[١] و مذمة الخلق و الطعن و اللعن و الدعاء على الأعداء و المماراة[٢] في الكلام و غير ذلك فهو يتصدى ذلك كله مع أنه خلق للذكر و التذكير و تكرار العلم و التعليم و إرشاد عباد الله إلى طريق الله و إصلاح ذات البين و سائر خيراته فليشترط على نفسه أن لا يحرك اللسان طول نهاره إلا في الذكر فنطق المؤمن ذكر و صمته فكرة و نظره عبرة و ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ فيحذرها مغبة[٣] الإهمال و يعظها كما يعظ العبد الآبق المتمرد فإن النفس بالطبع متمردة عن الطاعات مستعصية عن العبودية و لكن الوعظ و التأديب يؤثر فيها وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ و قال تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ[٤]
وَ رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ أَنْ يُوَصِّيَهُ وَ يَعِظَهُ إِذَا أَرَدْتَ أَمْراً فَتَدَبَّرْ عَاقِبَتَهُ فَإِنْ كَانَ رُشْداً فَأَمْضِهِ وَ إِنْ كَانَ غَيّاً فَانْتَهِ عَنْهُ
[١] تزكية النفس: المدح لها و ليس هنا بمعنى التطهير و الإصلاح كما في قوله« قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها».
[٢] في بعض النسخ[ المحاورة].
[٣] المغبة بالفتح: عاقبة الشيء.
[٤] سورة البقرة آية ٢٣٥.