مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٩٤ - بيان ترك الطاعات خوفا من الرياء و دخول الآفات
فإن قدر الإنسان على أن يدفع عن نفسه باعث الرياء و يقول لها أ لا تستحيي من مولاك و لا تسخو بالعمل لأجله و تسخو بالعمل لأجل عباده حتى يندفع باعث الرياء و تسخو النفس بالعمل لله عقوبة للنفس على خاطر الرياء و كفارة عليه فليشتغل بالعمل. الثاني أن ينبعث لأجل الله و لكن يعترض الرياء مع عقد العبادة في أولها فلا ينبغي أن يترك العمل لأنه وجد باعثا دينيا فليشرع في العمل و ليجاهد نفسه في دفع الرياء و تحصيل الإخلاص بالمعالجة التي ذكرناها من إلزام النفس كراهة الرياء و الإباء على القبول الثالث أن يعقد على الإخلاص ثم يطرأ الرياء و دواعيه فينبغي أن يجاهد في الدفع و لا يترك العمل لكن يرجع إلى عقد الإخلاص و يرد نفسه إليه بهذا حتى يتم العمل لأن الشيطان يدعوك أولا إلى ترك العمل فإذا لم تجب و اشتغلت فيدعوك إلى الرياء فإذا لم تجب و دفعته يقول لك هذا العمل ليس بخالص و أنت مراء و تعبك ضائع فأي فائدة لك في عمل لا إخلاص فيه حتى يحملك بذلك على ترك العمل فإذا تركته فقد حصلت غرضه و مثال من يترك العمل لخوفه أن يكون مرائيا كمن سلم إليه مولاه حنطة فيها تراب و قال خلصها من التراب و نقها منه تنقية جيدة بالغة فيترك أصل العمل و يقول أخاف أن اشتغلت به لم يخلص خلاصا صافيا نقيا فيترك العمل من أصله و من هذا القبيل من يترك العمل خوفا من الناس أن يقولوا له إنه مراء فيعصون الله به و هذا من مكايد الشيطان لأنه أولا أساء الظن بالمسلمين و ما كان من حقه أن يظن بهم ذلك ثم إن كان فلا يضره قولهم و يفوته ثواب العبادة و ترك العمل خوفا من قولهم إنه مراء هو عين الرياء فلو لا حبه لمحمدتهم و خوفه من ذمهم و إلا فما له و لقولهم قالوا إنه مراء أو قالوا إنه مخلص فأي فرق بين أن يترك العمل خوفا من أن يقال إنه مراء و بين أن يحسن العمل خوفا من أن يقال إنه غافل مقصر بل ترك العمل أشد من ذلك فهذه كلها مكايد الشيطان على العباد الجهال و ترك العمل يجر إلى البطالة و ترك الخيرات فما دمت تجد باعثا دينيا على العمل فلا تترك العمل و جاهد