مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٨١ - باب في ذكر شيء من كلام المحتضرين
حَظُّكُمْ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنْ تَسْمَعُوهُ بِهَذِهِ الْأُذُنِ وَ تُخْرِجُوهُ مِنْ هَذِهِ الْأُذُنِ فَإِنَّهُ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ص فَقَدْ رَآهُ غَادِياً وَ رَائِحاً لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ وَ لَا قَصَبَةً عَلَى قَصَبَةٍ وَ لَكِنْ رُفِعَ لَهُ عَلَمٌ فَشَمَّرَ إِلَيْهِ الْوَحَا الْوَحَا النَّجَا النَّجَا عَلَى مَا تَعْرُجُونَ فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً جَعَلَ الْعَيْشَ عَيْشاً وَاحِداً فَأَكَلَ كِسْرَةً وَ لَبِسَ خَلَقاً وَ لَصِقَ بِالْأَرْضِ وَ اجْتَهَدَ فِي الْعِبَادَةِ وَ بَكَى عَلَى الْخَطِيئَةِ وَ هَرَبَ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَ ابْتَغَى الرَّحْمَةَ حَتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ عَلَى ذَلِكَ.
سُئِلَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ يَا هَذَا لَا يَشْغَلَنَّكَ كَثْرَةُ النَّاسِ عَنْ نَفْسِكَ فَإِنَّ الْأَمْرَ[١] يَخْلُصُ إِلَيْكَ دُونَهُمْ وَ لَا تَقُلْ أَذْهَبَ هَاهُنَا فَيَنْقَطِعُ عَلَيْكَ النَّهَارُ فِي لَا شَيْءٍ فَإِنَّ الْأَمْرَ مَحْفُوظٌ عَلَيْكَ وَ لَمْ تَرَ شَيْئاً قَطُّ أَحْسَنَ طَلَباً وَ لَا أَسْرَعَ إِدْرَاكاً مِنْ حَسَنَةٍ حَدِيثَةٍ لِذَنْبٍ قَدِيمٍ
|
أَلَا أَيُّهَذَا اللَّائِمُ احْضُرِ الْوَغَى[٢] |
وَ إِنْ تَشْهَدِ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلَدٌ |
|
باب في ذكر شيء من كلام المحتضرين
قِيلَ لَمَّا حَضَرَتْ مُعَاوِيَةَ الْوَفَاةُ قَالَ أَقْعِدُونِي فَأُقْعِدَ فَجَلَسَ فَقَالَ الْآنَ تَذْكُرُ رَبَّكَ يَا مُعَاوِيَةُ بَعْدَ الْهَرَمِ وَ الِانْحِطَاطِ أَ لَا كَانَ هَذَا وَ غُصْنُ الشَّبَابِ نَضْرَةٌ رَيَّانُ.
وَ رُوِيَ أَنَّ آخِرَ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ أَنْ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إني [إِنَ] مَنْ زَرَعَ قَدِ اسْتَحْصَدَ وَ إِنِّي قَدْ وَلِيتُكُمْ وَ لَنْ يَلِيَكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي إِلَّا وَ هُوَ شَرٌّ مِنِّي كَمَا كَانَ مَنْ قَبْلِي خَيْراً مِنِّي يَا لَيْتَنِي كُنْتُ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ وَ لَمْ أَلِ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئاً.
وَ لَمَّا حَضَرَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ الْوَفَاةُ نَظَرَ إِلَى غَسَّالٍ بِجَانِبِ دِمَشْقَ يَلْوِي ثَوْباً بِيَدِهِ ثُمَّ يَضْرِبُ بِهِ الْمَغْسِلَةَ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَ اللَّهِ لَيْتَنِي كُنْتُ غَسَّالًا لِآكُلَ كَسْبَ يَدَيَّ يَوْماً بِيَوْمٍ وَ لَمْ أَلِ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئاً فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا حَازِمٍ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَهُمْ إِذَا حَضَرَهُمُ الْوَفَاةُ يَتَمَنَّوْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ.
وَ قِيلَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي مَرَضِهِ كَيْفَ تَجِدُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ أَجِدُنِي
[١] في بعض النسخ[ فان الأمراض تخلص إليك دونهم].
[٢] الوغى بسكون الغين و فتحها: الحرب.