مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٠٤ - باب ما جاء في الصمت و حفظ اللسان
وَصِيَّ نَفْسِكَ وَ لَا تَجْعَلِ الرِّجَالَ أَوْصِيَاءَكَ فَيَقْسِمُوا تُرَاثَكَ وَ صُمِ الدَّهْرَ وَ اجْعَلْ فِطْرَكَ[١] الْمَوْتَ
باب ما جاء في الصمت و حفظ اللسان
اعلم أن اللسان من أجل نعم الله تعالى إذ به تميز الإنسان عن سائر الحيوان و هو أفضل الحواس جميعها فإن العين لا تصل إلى غير الألوان و الصور و الأذن لا تصل إلى غير الأصوات و اليد لا تصل إلى غير الأجسام و كذلك سائر الأعضاء و اللسان رحب الميدان[٢] ليس له مرد و لا لمجاله منتهى و لا حد فله في الخير مجال رحب و له في الشر مجر و سحب[٣] فمن أطلق عذبة عنان لسانه ساقه إلى شفا جرف هار إلى أن يضطره إلى البوار[٤] و لا يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد[٥] ألسنتهم فلا ينجى منه إلا أن يقيد بلجام الشرع فلا يطلقه إلا فيما ينتفع به في الدنيا و الآخرة
فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ مَنْ صَمَتَ نَجَا
وَ قَالَ ص الصَّمْتُ حُكْمٌ وَ قَلِيلٌ فَاعِلُهُ
أي هي حكمة و حزم[٦]
: قَالَ بَعْضُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ بِأَمْرٍ لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَداً بَعْدَكَ قَالَ قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ قُلْتُ فَمَا أَتَّقِي فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى لِسَانِهِ
وَ قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ مَا النَّجَاةُ قَالَ امْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَ لْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَ ابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ
[١] الفطر: بالكسر اسم من الإفطار.
[٢]: الرحب بالضم: السعة و بالفتح الواسع.
[٣] في بعض النسخ[ المسحّب] و هو الجر على وجه الأرض.
[٤]: البوار: الهلاك و الكساد و دار البوار: جهنم.
[٥] الحصد و الحصيد و الحصيدة: ما حصد من الزرع و ثمرة الشجر و الجمع حصائد الالسنة: ما تقوله من الكلام في حقّ الغير.
[٦] أي تفكّر و تدبّر.