مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٦٥ - بيان كيفية التفكر في خلق الله تعالى
آياته أن خلق الأرض فراشا و مهادا و سلك فيها سُبُلًا فِجاجاً و جعلها ذلولا لتمشوا في مناكبها و جعلها قارة لا تتحرك و أرسى فيها الجبال أوتادا تمنعها من أن تميد بهم ثم وسع أكنافها حتى عجز الآدميون عن بلوغ جميع جوانبها و إن طالت أعمارهم و كثرت طوافهم فقال تعالى وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ وَ الْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ[١] و قال تعالى الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً[٢] و قد أكثر في كتابه العزيز من ذكر الأرض لتفكروا في عجائبها أ لم يجعل ظهرها مقرا للأحياء و بطنها مرقدا للأموات قال الله سبحانه و تعالى أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَ أَمْواتاً[٣] فانظر إلى الأرض و هي ميتة فإذا نزل عليها الماء اهتزت و ربت و اخضرت و أنبتت عجائب النبات ثم انظر كيف أحكم جوانب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب و كيف أودع المياه تحتها ففجر العيون و أسال الأنهار تجري على وجهها و أخرج من الحجارة اليابسة و من التراب الكدر ماء رقيقا عذبا صافيا زلالا و جعل به كل شيء حيا فأخرج به فنون الأشجار و النبات من حب و عنب و قضب و زيتون و نخل و رمان و فواكه كثيرة لا تحصى مختلفة الأشكال و الألوان و الطعوم و الصفات و الأراييح[٤] يفضل بعضها على بعض في الأكل تسقى بماء واحد و تخرج من أرض واحدة و لئن قلت إن اختلافها لاختلاف بذورها و أصولها[٥] فمتى كان في النواة نخلة مطوقة بعناقيد الرطب و متى كانت في حبة واحدة سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ. ثم انظر إلى أراضي البوادي و قس ظاهرها و باطنها فتراها ترابا متشابها فإذا نزل عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ألوانا مختلفة و نباتا مُتَشابِهاً وَ غَيْرَ مُتَشابِهٍ لكل واحد طعم و لون و ريح و شكل يخالف الآخر فانظر إلى كثرتها و اختلاف أصنافها و كثرة أشكالها ثم اختلاف طبائع النبات و كثرة منافعه و كيف أودع الله العقاقير المنافع فهذا
[١] سورة الذاريات آية ٤٧ و ٤٨
[٢] سورة البقرة آية ٢١
[٣] سورة المرسلات آية ٢٥
[٤] الاراييح: جمع الرياح و الارياح
[٥] في بعض النسخ بعد قوله: و تحرج من ارض واحدة[ فواكه قلت اختلافها و اختلاف بذورها و اصولها].