مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٦٣ - بيان كيفية التفكر في خلق الله تعالى
ورائها حتى لا تنقطع و ليلتقط بها الأشياء الدقيقة التي لا يتناولها الأنامل و ليحك بها بدنه عند الحاجة فالظفر الذي هو أخس الأعضاء لو عدمها الإنسان و ظهر به حكه لكان أعجز الخلق و أضعفهم و لم يقم أحد مقامه في حك بدنه ثم هدى اليد إلى موضع الحك حتى تمتد إليه و لو في النوم و الغفلة من غير حاجة إلى طلب و لو استعان بغيره لم يعثر على موضع الحك إلا بعد تعب طويل. ثم خلق هذا كله من النطفة و هي داخل الرحم في ظلمات ثلاث[١] و لو كشف الغطاء و الغشاء و امتد البصر إليه لكان يرى التخطيط و التصوير يظهر عليها شيئا فشيئا و لا يرى المصور فهل رأيت مصورا فاعلا لا يمس مصنوعه و هو يتصرف فيه فهذا يدل على كونه قادرا لنفسه لاختراعه الأشياء من غير مماسة لأن القادر بقدرته[٢] لا يقدر على الفعل إلا بمماسة أو يماس ما ماسه فسبحان الله العظيم القادر للذات العالم للذات مخترع الأشياء و فاعلها و خالقها إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ما أعظم شأنه و أظهر برهانه ثم انظر إلى عظم قدرته و كمال رحمته فإنه لما ضاق الرحم على الصبي لما كبر كيف هداه السبيل حتى تنكس و تحرك و خرج من ذلك المضيق و طلب المنفذ كأنه عاقل بصير بما يحتاج إليه ثم لما خرج و احتاج إلى الغذاء كيف هداه إلى التقام الثدي ثم لما كان بدنه سخيفا لا يحتمل الأغذية الكثيفة كيف دبر له في خلق اللبن اللطيف و استخرجه من بين الدم و الفرث سائغا خالصا و كيف خلق الثديين و جمع فيهما اللبن و أنبت لهما حلمتين على قدر ما ينطبق عليه فم الصبي ثم فتح في حلمة الثدي ثقبا ضيقا حتى لا يخرج اللبن منه إلا بعد المص تدريجا فإن الطفل لا يطيق منه إلا القليل ثم كيف هداه إلى الامتصاص حتى يستخرج من ذلك المضيق اللبن عند شدة الجوع ثم انظر إلى عطفه و رأفته كيف أخر خلق الأسنان إلى تمام الحولين لأنه في الحولين لا يتغذى إلا باللبن فيستغني عن السن فإذا كبر لم يوافقه اللبن السخيف و يحتاج إلى الطعام الغليظ و يحتاج الطعام إلى المضغ و الطحن فأنبت له الأسنان عند الحاجة لا قبلها و لا بعدها فسبحانه
[١] الظاهر أن يكون المراد ظلمة المشيمة و ظلمة الرحم و ظلمة البطن بعضها فوق بعض.
[٢] في بعض النسخ[ لا انه قادر بقدرة]