مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٢٨ - بيان الحب لله و لرسوله
الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ و كيف استخرج من لعابها الشمع و العسل و جعل أحدهما ضياء و الآخر شفاء ثم لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الأزهار و الأنوار[١] و احترازها من النجاسات و الأقذار و طاعتها لواحد من جملتها هو أكبر منها شخا و هو أميرها ثم ما سخر الله له أميرها من العدل و الإنصاف بينها حتى أنه ليقتل على باب المنفذ كل ما وقع منها على نجاسة لقضيت منها العجب إن كنت بصيرا في نفسك فارغا من هم بطنك و فرجك و شهوات نفسك في معاداة أقرانك و موالاة إخوانك ثم دع عنك جملة ذلك و انظر إلى بنائها بيوتها من الشمع و اختيارها من جملة الأشكال الشكل المسدس فلا يبنى بيتها مستديرا و لا مربعا و لا مخمسا إلا مسدسا لخاصية في شكل المسدس يقصر فهم المهندسين عن إدراكها و هو أن أوسع الأشكال و أحواها المسدس و ما يقرب منها فإن المربع يخرج منها زوايا ضائعة و شكل النحل مستدير مستطيل فترك المربع حتى لا تضيع الزوايا فتبقى فارغة ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة فإن الأشكال المستديرة إذا اجتمعت يجتمع متراحية[٢] و لا شكل في الأشكال ذوات الزوايا يقرب من الاحتواء في المستدير ثم تترص[٣] الجملة منه بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فرجة إلا المسدس و هذه خاصية هذا الشكل فانظر كيف ألهم الله تعالى النحل على صغر جرمه ما هو محتاج إليه ليتهنأ عيشه فسبحانه ما أعظم شأنه و أوسع لطفه و امتنانه. فاعتبر بهذه اللمعة اليسيرة من محقرات الحيوانات و دع عنك عجائب ملكوت السماوات و الأرض فإن القدر الذي بلغه فهمنا القاصر منه ينقضي الأعمار دون إيضاحه
[١] الانوار جمع النور بفتح النون و هو الزهر و بالفارسية« شكوفه».
[٢] في بعض النسخ[ متراخية] اى بسهولة اما بالحاء المهملة و الياء المثناة كما اثبتناه فليكن من رحا يرحو إذا استدار.
[٣] في بعض النسخ[ تتراص] بتشديد الصاد من باب التفاعل و لعله الأصحّ و الرص كالنصر وزنا و صرفا بمعنى الضم و تراص القوم في الصف تلاصقوا و تضاموا و ترصص و ارتص تلاصق. اما تترص كما في المتن فليس من الرص بل من التراصة يقال ترص تراصة من باب شرف إذا احكم و قوم فهو تريص اي محكم شديد.