مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٩٢ - بيان السبب الذي ينال به حسن الخلق على الجملة
الْمَعْصِيَةِ فِي زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ عَلَى الدَّوَامِ وَ فِي جُمْلَةِ الْعُمُرِ وَ كُلَّمَا كَانَ الْعُمُرُ أَطْوَلَ كَانَتِ الْفَضِيلَةُ أَرْسَخَ وَ أَكْمَلَ
و لذلك
لَمَّا سُئِلَ ص عَنِ السَّعَادَةِ فَقَالَ طُولُ الْعُمُرِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ
و لذلك كره الأنبياء و الأوصياء و الصالحون الموت فإن الدنيا مزرعة الآخرة و كلما كانت العبادات أكثر بطول العمر كان الثواب أجزل و النفس أزكى و أنمى مقصود العبادات تأكد تأثيرها فإنما تأثيرها بكثرة المواظبة على العبادات و غاية هذه الأخلاق أن ينقلع عن النفس حب الدنيا و يترسخ فيها حب الآخرة فلا يكون شيء أحب إليه من لقاء الله فلا يستعمل جميع ماله و آلاته إلا على الوجه الذي يوصله إلى رضاه و يحب أن يوطن نفسه على ألم العبادة و مضضها حتى يصير ذلك له خلقا و سجية و يكون عنده آثر من النوم و الراحة لما يعلم و يتحقق عنده من جنى ثمرة ذلك فإن المقامر يجد للقمار لذة مع سلبه ماله و تركه مفلسا و مع هذا فهو يحبه و يلتذ به و ذلك لطول إلفه له و رده نفسه إليه و كذلك اللاعب بالحمام يقف طول نهاره في الشمس قائما على رجليه و هو لا يحس بألمه لفرحه بالطيور و حركاتها و طيرانها بل يرى العيار الفاجر يفتخر بما يلقاه من أليم الضرب و القطع على السياط و على أن يتقدم به إلى الصلب و هو مع ذلك متبجح و يقويه في الصبر أن يرى ذلك فخرا لنفسه حتى يقطع الواحد منهم إربا إربا على أن يقر بما تعاطاه أو تعاطى غيره فيصبر على ذلك و لا يبالي بالعقوبات فرحا بما يعتقده رجلة و شجاعة فقد صارت أحواله مع ما فيه من النكال قرة عينه و سبب افتخاره على أهل صناعته حتى يخرج من الحجامين و الكناسين التفاخر و المباهاة كما يجري بين الملوك و العلماء و كل ذلك نتيجة العادة و المواظبة على نمط واحد على الدوام مدة مديدة فإذا كانت النفس بالعادة تستلذ الباطل و تميل إلى القبائح فكيف لا تستلذ الحق لو ردت إليه مدة مديدة و ألزمت المواظبة عليه بل ميل النفس إلى هذه الأمور الشنيعة خارج عن الطبع يضاهي الميل الطبيعي كالميل إلى أكل الطين و قد يغلب على بعض الناس بالعادة فأما ميله إلى الحكمة و حب الله تعالى و معرفته و عبادته و معرفة نبيه و الأئمة ع فهو كالميل إلى الطعام و الشراب فهو يقتضي طبع القلب