مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٤٥ - باب ذم الدنيا
بَاقِيَةٌ فَيَتَزَوَّدُوا مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ وَ يُخْرِبُوا الدُّنْيَا وَ يَعْمُرُوا بِهَا الْآخِرَةَ وَ يَنْظُرُوا إِلَى الْآخِرَةِ بِقُلُوبِهِمْ وَ يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ سَيَنْظُرُونَ إِلَيْهَا بِأَعْيُنِهِمْ وَ يَرْتَحِلُونَ إِلَيْهَا بِقُلُوبِهِمْ كَمَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ سَيَرْحَلُونَ إِلَيْهَا بِأَبْدَانِهِمْ وَ يَصْبِرُونَ قَلِيلًا وَ يُنَعَّمُونَ طَوِيلًا اعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا سَرِيعَةُ الْفَنَاءِ قَرِيبَةُ الِانْقِضَاءِ تَعِدُ بِالْبَقَاءِ ثُمَّ تُخْلِفُ بِالْوَفَاءِ تَنْظُرُ إِلَيْهَا فَتَرَاهَا سَاكِنَةً مُسْتَقِرَّةً وَ هِيَ سَائِرَةٌ سَيْراً عَنِيفاً وَ مُرْتَحِلَةٌ ارْتِحَالًا سَرِيعاً وَ لَكِنَّ النَّاظِرَ إِلَيْهَا قَدْ لَا يُحِسُّ بِحَرَكَتِهَا فَيَطْمَئِنُّ وَ إِنَّمَا يَتَحَسَّرُ عِنْدَ انْقِضَائِهَا وَ مِثَالُهَا الظِّلُّ فَإِنَّهُ مُتَحَرِّكٌ فِي الْحَقِيقَةِ سَاكِنٌ فِي الظَّاهِرِ لَا يُدْرَكُ حَرَكَتُهَا بِالْبَصَرِ الظَّاهِرِ بَلْ بِالْبَصِيرَةِ الْبَاطِنَةِ
وَ لَمَّا ذُكِرَتِ الدُّنْيَا عِنْدَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ شِعْراً
|
أَحْلَامُ نَوْمٍ أَوْ كَظِلٍّ زَائِلٍ |
إِنَّ اللَّبِيبَ بِمِثْلِهَا لَا يُخْدَعُ |
|
وَ كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ع يَتَمَثَّلُ وَ يَقُولُ
|
يَا أَهْلَ لَذَّاتِ الدُّنْيَا[١] لَا بَقَاءَ لَهَا |
إِنَّ اغْتِرَاراً بِظِلٍّ زَائِلٍ حُمْقٌ |
|
وَ كَذَلِكَ قِيلَ
|
وَ إنَّ امْرَأً دُنْيَاهُ أَكْبَرُ هَمِّهِ |
لَمُسْتَمْسِكٌ مِنْهَا بِحَبْلِ غُرُورٍ |
|
مِثَالٌ آخَرُ لِلدُّنْيَا مِنَ التَّغْرِيرِ بِخَيَالاتِهَا ثُمَّ الْإِفْلَاسُ مِنْهَا بَعْدَ إِفْلَاتِهَا[٢] يُشْبِهُ خَيَالاتِ الْمَنَامِ وَ أَضْغَاثَ الْأَحْلَامِ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الدُّنْيَا حُلُمٌ وَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا مُجَازَوْنَ مُعَاقَبُونَ
وَ قَالَ بَعْضُهُمْ مَا شَبَّهْتُ نَفْسِي وَ الدُّنْيَا إِلَّا كَرَجُلٍ نَامَ فَرَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يَكْرَهُ وَ مَا يُحِبُّ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا انْتَبَهَ وَ كَذَلِكَ سَائِرُ النَّاسِ نِيَامٌ فَإِذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا فَإِذَا لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِمَّا رَكَنُوا إِلَيْهِ وَ فَرِحُوا بِهِ
وَ قِيلَ لِحَكِيمٍ أَيُّ شَيْءٌ أَشْبَهُ بِالدُّنْيَا قَالَ أَحْلَامُ النَّائِمِ
مثال آخر للدنيا في عداوتها لأهلها و إهلاكها بنيها
[١] كذا في النسخ و المناسب حذف لام التعريف ليستقيم وزن الشعر.
[٢] الافلات: التخلّص. و أفلته: اطلقه و خلصه و كذا فلته فلتا من باب ضرب.