مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٣٧ - باب محاسبة النفس
وَ قَالَ الْحَسَنُ لَقَدْ أَدْرَكْتُ أَقْوَاماً وَ صَحِبْتُ طَوَائِفَ مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْرَحُونَ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا أَقْبَلَ وَ لَا يَتَأَسَّفُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا أَدْبَرَ وَ لَهِيَ كَانَتْ أَهْوَنَ فِي أَعْيُنِهِمْ مِنْ هَذَا التُّرَابِ الَّذِي تَطَئُونَهُ بِأَرْجُلِكُمْ إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَعِيشُ عُمُرَهُ كُلَّهُ مَا طُوِيَ لِأَحَدِهِمْ ثَوْبٌ وَ لَا أَمَرَ أَهْلَهُ بِصَنْعَةِ طَعَامٍ قَطُّ وَ لَا جَعَلَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْأَرْضِ شَيْئاً قَطُّ وَ أَدْرَكْتُهُمْ عَامِلِينَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِمْ إِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ فَقِيَامٌ عَلَى أَطْرَافِهِمْ يَفْتَرِشُونَ وُجُوهَهُمْ تَجْرِي دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ يُنَاجُونَ رَبَّهُمْ فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ إِذَا عَمِلُوا الْحَسَنَةَ فَرِحُوا بِهَا وَ دَأَبُوا[١] فِي شُكْرِ اللَّهِ وَ إِذَا عَمِلُوا السَّيِّئَةَ حَزَنَتْهُمْ وَ سَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَهَا وَ اللَّهِ مَا زَالُوا عَلَى ذَلِكَ.
وَ قَالَ إِنَّ قَوْماً أَرَادُوا سَفَراً فَحَادُوا[٢] عَنِ الطَّرِيقِ فَانْتَهَوْا إِلَى رَاهِبٍ مُنْفَرِدٍ عَنِ النَّاسِ فَنَادَوْهُ فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ صَوْمَعَتِهِ فَقَالُوا يَا رَاهِبُ إِنَّا قَدْ أَخْطَأْنَا الطَّرِيقَ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَعَلِمَ الْقَوْمُ مَا أَرَادَ فَقَالُوا يَا رَاهِبُ إِنَّا سَائِلُوكَ فَهَلْ أَنْتَ مُجِيبُنَا فَقَالَ اسْأَلُوا وَ لَا تُكْثِرُوا فَإِنَّ النَّهَارَ لَا يَرْجِعُ وَ إِنَّ الْعُمُرَ لَا يَعُودُ وَ الطَّالِبَ حَثِيثٌ[٣] فَعَجِبَ الْقَوْمُ مِنْ كَلَامِهِ فَقَالُوا يَا رَاهِبُ عَلَامَ الْخَلْقُ غَداً عِنْدَ مَلِيكِهِمْ فَقَالَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ فَقَالُوا أَوْصِنَا فَقَالَ تَزَوَّدُوا عَلَى قَدْرِ سَفَرِكُمْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ مَا بَلَّغَ الْبُغْيَةَ ثُمَّ أَرْشَدَهُمُ الطَّرِيقَ وَ أَدْخَلَ رَأْسَهُ فِي صَوْمَعَتِهِ.
وَ قَالَ آخَرُ مَرَرْتُ بِصَوْمَعَةِ رَاهِبٍ مِنْ رُهْبَانِ الصِّينِ فَنَادَيْتُهُ يَا رَاهِبُ فَلَمْ يُجِبْنِي فَنَادَيْتُهُ الثَّانِيَةَ فَلَمْ يُجِبْنِي فَنَادَيْتُهُ الثَّالِثَةَ فَأَشْرَفَ عَلَيَّ وَ قَالَ يَا هَذَا مَا أَنَا بِرَاهِبٍ إِنَّمَا الرَّاهِبُ مَنْ رَهِبَ اللَّهَ فِي سَمَائِهِ وَ عَظَّمَهُ فِي كِبْرِيَائِهِ وَ صَبَرَ عَلَى بَلَائِهِ وَ حَمِدَهُ عَلَى نَعْمَائِهِ وَ تَوَاضَعَ لِنِعْمَتِهِ وَ ذَلَّ لِعِزَّتِهِ وَ اسْتَسْلَمَ لِقُدْرَتِهِ وَ خَضَعَ لِمَهَابَتِهِ وَ فَكَّرَ فِي حِسَابِهِ وَ عِقَابِهِ فَنَهَارُهُ صَائِمٌ وَ لَيْلُهُ قَائِمٌ
[١] دأب دأبا بفتح الدال و الهمزة و سكونها من باب منع: جد فى العمل و تعب فيه و استمر عليه فهو دائب و دءوب وزان حسود.
[٢] حاد يحيد إذا عدل عنه.
[٣] و الطالب حثيث اقتباس من قوله في سورة الأعراف آية ٥٤« يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً» اى يطلب الليل النهار سريعا بعد ما أغشاه فمعنى قوله الطالب حثيث أن العمر ينقضى بسرعة فيطلب كل حين حينا آخر يتبعه سريعا.