مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٦٨ - بيان ذكر الموت
الزيادة و النقصان عليهما على ترتيب مخصوص فكلما استكثرت من الفكر في الخلق نتج لك معرفة الخالق و إذا استكثرت من معرفة عجيب صنع الله كانت معرفتك بالله أتم و هذا كما أنك تعظم عالما بسبب معرفتك بعلمه فلا تزال تطلع على غريبة من تصنيفه أو شعره فتزداد به معرفتك و تزداد بالحب له توقيرا و تعظيما و احتراما حتى أن كل كلمة من كلماته و كل بيت عجيب من شعره يزيده محلا في قلبك و تستدعي التعظيم له في نفسك فهكذا تأمل في خلق الله و تصنيفه و تأليفه فتزداد بربك علما و معرفة تم باب التفكر وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
بيان ذكر الموت
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ
معناه نغصوا[١] بذكره اللذات حتى ينقطع ركونكم إليها
وَ قَالَ ص لَوْ تَعْلَمُ الْبَهَائِمُ مِنَ الْمَوْتِ مَا يَعْلَمُ ابْنُ آدَمَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْهَا سَمِيناً
وَ سَأَلَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ يُحْشَرُ مَعَ الشُّهَدَاءِ أَحَدٌ قَالَ نَعَمْ مَنْ يَذْكُرُ الْمَوْتَ فِي الْيَوْمِ وَ اللَّيْلَةِ عِشْرِينَ مَرَّةً
و إنما سبب هذه الفضيلة أن ذكر الموت يوجب التجافي عن دار الغرور و يتقاضى الاستعداد للآخرة و الغفلة على الموت يدعو إلى الانهماك في شهوات الدنيا
وَ قَالَ ع تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ الْمَوْتُ
و إنما قال هذا لأن الدنيا سجن المؤمن إذ لا يزال فيها في عناء من رياضة نفسه و مقاساة شهواته و مدافعة الشيطان فالموت إطلاق له من العذاب و الإطلاق تحفة في حقه لما يصل إليه من النعيم الدائم
وَ قَالَ ص الْمَوْتُ كَفَّارَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ
و أراد بهذا المسلم حقا المؤمن صدقا الذي يسلم الناس من يده و لسانه و يتحقق فيه أخلاق المؤمنين
وَ رَوَى بَعْضُهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص مَرَّ بِمَجْلِسٍ قَدِ اسْتَعْلَاهُ الضَّحِكُ فَقَالَ شُوبُوا مَجْلِسَكُمْ بِذِكْرِ مُكَدِّرِ اللَّذَّاتِ قَالُوا وَ مَا مُكَدِّرُ اللَّذَّاتِ قَالَ الْمَوْتُ
[١] التنغيص: تكدير العيش و كذا الانغاص.