مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٤٣ - باب ذم الدنيا
وَ لَا يُدْرَى مَا هُوَ آتٍ فَيُنْتَظَرَ أَيَّامُهَا كَاذِبَةٌ[١] وَ آمَالُهَا بَاطِلَةٌ وَ صَفْوُهَا كَدِرٌ وَ عَيْشُهَا نَكِدٌ وَ ابْنُ آدَمَ فِيهَا عَلَى خَطَرٍ وَ إِنْ عَقَلَ فَنَظَرَ وَ هُوَ مِنَ النَّعْمَاءِ عَلَى خَطَرٍ وَ مِنَ الْبَلَاءِ عَلَى حَذَرٍ فَلَوْ كَانَ الْخَالِقُ لَمْ يُخْبِرْ عَنْهَا خَبَراً وَ لَمْ يَضْرِبْ لَهَا مَثَلًا لَكَانَتِ الدُّنْيَا قَدْ أَيْقَظَتِ النَّائِمَ وَ نَبَّهَتِ الْغَافِلَ فَكَيْفَ وَ قَدْ جَاءَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ زَاجِرٌ وَ فِيهَا وَاعِظٌ فَمَا لَهَا عِنْدَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْرٌ وَ مَا نَظَرَ إِلَيْهَا مُنْذُ خَلَقَهَا وَ لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَى نَبِيِّكَ ص بِمَفَاتِيحِهَا وَ خَزَائِنِهَا لَا يَنْقُصُهُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا وَ كَرِهَ أَنْ يُخَالِفَ عَلَى اللَّهِ أَمْرَهُ أَوْ يُحِبَّ مَا أَبْغَضَ خَالِقُهُ أَوْ يَرْفَعَ مَا وَضَعَ مَلِيكُهُ فَزَوَاهَا[٢] عَنِ الصَّالِحِينَ اخْتِيَاراً وَ بَسَطَهَا لِأَعْدَائِهِ اغْتِرَاراً أَ فَيَظُنُّ الْمَغْرُورُ بِهَا الْمُقْتَدِرُ عَلَيْهَا أَنَّهُ أُكْرِمَ بِهَا وَ نَسِيَ مَا صَنَعَ اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ ص حِينَ شَدَّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ وَ لَقَدْ جَاءَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ لِمُوسَى ع إِذَا رَأَيْتَ الْغِنَى مُقْبِلًا فَقُلْ ذَنْبٌ عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ وَ إِذَا رَأَيْتَ الْفَقْرَ مُقْبِلًا فَقُلْ مَرْحَباً بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ وَ إِنْ شِئْتَ اقْتَدَيْتَ بِصَاحِبِ الرُّوحِ وَ الْكَلِمَةِ ابْنِ مَرْيَمَ ع كَانَ يَقُولُ إِدَامِيَ الْجُوعُ وَ شِعَارِيَ الْخَوْفُ وَ لِبَاسِيَ الصُّوفُ وَ صِلَائِي فِي الشِّتَاءِ مَشَارِقُ الشَّمْسِ وَ سِرَاجِيَ الْقَمَرُ وَ دَابَّتِي رِجْلَايَ وَ طَعَامِي وَ فَاكِهَتِي مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ أَبِيتُ وَ لَيْسَ لِي شَيْءٌ وَ أُصْبِحُ وَ لَيْسَ لِي شَيْءٌ وَ لَيْسَ عَلَى الْأَرْضِ أَحَدٌ أَغْنَى مِنِّي
وَ قَالَ ابْنُ مُنَبِّهٍ لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسَى وَ هَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ قَالَ لَا يَرُوعَنَّكُمَا[٣] لِبَاسُهُ الَّذِي لَبِسَ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّ نَاصِيَتَهُ بِيَدِي فَلَا يُعْجِبْكُمَا مَا مُتِّعَ بِهِ مِنْهَا فَإِنَّمَا هِيَ زَهْرَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ زِينَةُ الْمُتْرَفِينَ فَلَوْ شِئْتُ أَنْ أُزَيِّنَكُمَا بِزِينَةِ الدُّنْيَا يَعْرِفُ فِرْعَوْنُ حِينَ يَرَاهَا أَنَّ مَقْدُرَتَهُ تَعْجِزُ عَمَّا أُوتِيتُمَا لَفَعَلْتُ لَكِنِّي أَرْغَبُ بِكُمَا عَنْ ذَلِكَ فَأَزْوِي ذَلِكَ عَنْكُمَا وَ كَذَلِكَ أَفْعَلُ بِأَوْلِيَائِي إِنِّي لَأَذُودُهُمْ عَنْ نَعِيمِهَا كَمَا يَذُودُ الرَّاعِي غَنَمَهُ عَنْ مَرَاتِعِ الْهَلَكَةِ وَ إِنِّي لَأُجَنِّبُهُمْ سُلُوكَهَا كَمَا يُجَنِّبُ الرَّاعِي الشَّفِيقُ إِبِلَهُ عَنْ مَبَارِكِ الْعُرَّةِ[٤]
[١] يعني كأنّها لسرعة انقضائها غير واقعة.
[٢] زوى الشيء من باب ضرب: منعه. نحّاه.
[٣] راعه الشيء يروع روعا-: أعجبه. أفزعه- و من الشيء: فزع.
[٤] العرة- وزان المرة-: مؤنث العر و هو الاجرب و العرة بالضم-: الجرب، الإصابة بمكروه.