مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٥٩ - بيان مدح المال و الجمع بينه و بين الذم
فمن عرف فائدة ذلك و غايته و مقصده استعمله لتلك الغاية ملتفتا إليها غير ناس لها فقد أحسن و انتفع و كان ما حصل له الغرض محمودا في حقه فإذا المال آلة و وسيلة إلى مقصود صحيح و يصلح أن يتخذ آلة و وسيلة إلى مقاصد فاسدة و هي المقاصد الصادة عن سعادة الآخرة و يسد سبيل العلم و العمل فهو إذ ذاك محمود مذموم محمود بالإضافة إلى المقصود المحمود و مذموم بالإضافة إلى المقصود المذموم فمن أخذ من الدنيا أكثر مما يكفيه فقد أخذ حتفه[١] و هو لا يشعر كما ورد به الخبر. و لما كانت الطباع مائلة إلى اتباع الشهوات القاطعة لسبيل الله و كان المال مسهلا لها و آلة إليها عظم الخطر فيما يزيد على قدر الكفاية فاستعاذ الأنبياء من شره
قَالَ النَّبِيُّ ص اللَّهُمَّ اجْعَلْ قُوتَ آلِ مُحَمَّدِ كَفَافاً فَلَمْ يَطْلُبْ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا يَتَمَحَّضُ خَيْرُهُ
وَ قَالَ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِيناً وَ أَمِتْنِي مِسْكِيناً
وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص تَعَسَ[٢] عَبْدُ الدِّينَارِ تَعَسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ تَعَسَ وَ لَا انْتَعَشَ[٣] بَيِّنٌ أَنَّ مُحِبَّهَا عَبْدٌ لَهَا وَ مَنْ عَبَدَ حَجَراً فَهُوَ عَابِدُ صَنَمٍ
اعلم أن المال مثل حية فيها سم و ترياق ففوائدها ترياقها و غوائلها سمومها فمن عرف غوائلها و فوائدها أمكنه أن يحترز من شرها و يستدر منها خيرها. أما الفوائد فهي تنقسم إلى دنيوية و دينية أما الدنيوية فلا حاجة في ذكرها فإن معرفتها مشتركة بين أصناف الخلق و لو لا ذلك لم يتهالكوا على طلبها و أما الدينية فنحصر[٤] جميعها في ثلاثة أنواع. النوع الأول أن ينفقه على نفسه أما في عبادة أو في الاستعانة على العبادة. أما العبادة كالاستعانة على الحج و الصدقة فإنه لا يتوصل إليهما إلا بالمال و هما من أمهات القربات و الفقير محروم عن فضلهما.
[١] في بعض النسخ[ جيفة]
[٢] تعس- من بابى علم و منع تعسا و تعسا بفتح العين و سكونها-: هلك.
[٣] انتعش: انتهض من عثرته.
[٤] في بعض النسخ[ فتنحصر].