مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٤٣ - باب محاسبة النفس
كرم الله و عفوه من غير التفات إلى مكره و استغنائه عن عبادتك مع أنك لا تعتمدين على كرمه في لقمة من خبز أو حبة من المال[١] أو كلمة واحدة تستمعينها من الخلق بل تتوصلين إلى غرضك في ذلك بجميع الحيل و بهذا الجهل تستحقين لقب الحماقة
مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص حَيْثُ قَالَ الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَ عَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَ الْأَحْمَقُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ
. ويحك يا نفس لا ينبغي أن تغرك الحياة الدنيا و لا يغرنك بالله الغرور فانظري فما أمرك بمهم لغيرك و لا تضيعي أوقاتك فالأنفاس معدودة فإذا مضى منك نفس فقد ذهب بعضك فاغتنمي الصحة قبل السقم و الفراغ قبل الشغل و الغنى قبل الفقر و الشباب قبل الهرم و الحياة قبل الممات و استعدي للآخرة على قدر بقائك فيها يا نفس أنى تستعدين للشتاء بقدر طول مدته فتجمعين له القوت و الكسوة[٢] و الحطب و جميع الأسباب و لا تتكلين في ذلك على فضل الله و كرمه حتى يدفع عنك البرد من غير جبة و لبد و لا حطب و غير ذلك فإنه قادر على ذلك أ فتظنين يا نفس أن زمهرير جهنم أخف بردا و أقصر مدة من زمهرير الشتاء أم تظنين أن العبد ينجو منها بغير سعي هيهات كما لا يندفع برد الشتاء إلا بالجبة و النار و سائر الأسباب فكذلك لا يندفع حر النار و بردها إلا بحصن التوحيد و خندق الطاعات و إنما كرم الله تعالى في أن عرفك طريق التحصيل و يسر لك أسبابه كما أن كرم الله تعالى في دفع برد الشتاء أن خلق النار و هداك إلى استخراجها من بين حديدة و حجر حتى تدفعي به برد الشتاء عن نفسك و كما أن شراء الحطب و الجبة مما تستعينين به و يستغني خالقك عنه و إنما تشترينه لنفسك إذ خلقه سببا لاستراحتك فطاعتك أيضا هو مستغن عنها و إنما هي طريقك إلى نجاتك فمن أحسن فلنفسه وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها و الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ويحك يا نفس انزعي عن جهلك و قيسي آخرتك بدنياك ف ما خَلْقُكُمْ وَ لا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ و كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا و كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ و سنة الله وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا و لا تحويلا ويحك يا نفس ما أراك إلا ألفت الدنيا فأنست بها فعسر عليك مفارقتها و أنك
[١] بعض النسخ[ او جرعة من الماء].
[٢] بعض النسخ[ و الفحم و الحطب]