مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٦٥ - بيان ذم الحرص و الطمع و مدح القناعة و اليأس مما في أيدي الناس
وَ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ وَجَدْتُ أَطْوَلَ النَّاسِ غَمّاً الْحَسُودَ وَ أَهْنَأَهُمْ عَيْشاً الْقَنُوعَ وَ أَصْبَرَهُمْ عَلَى الْأَذَى الْحَرِيصَ إِذَا طَمِعَ وَ أَخْفَضَهُمْ عَيْشاً أَرْفَضَهُمْ لِلدُّنْيَا وَ أَعْظَمَهُمْ نَدَامَةً الْعَالِمَ الْمُفَرِّطَ.
وَ عَاتَبَ أَعْرَابِيٌّ أَخَاهُ عَلَى الْحِرْصِ فَقَالَ يَا أَخِي أَنْتَ طَالِبٌ وَ مَطْلُوبٌ يَطْلُبُكَ مَا لَا تَفُوتُهُ وَ تَطْلُبُ أَنْتَ مَا قَدْ كُفِيتَهُ وَ كُلُّ مَا غَابَ عَنْكَ قَدْ كُشِفَ لَكَ وَ مَا أَنْتَ فِيهِ قَدْ نُقِلْتَ إِلَيْهِ كَأَنَّكَ يَا أَخِي لَمْ تَرَ حَرِيصاً مَحْرُوماً وَ زَاهِداً مَرْزُوقاً.
قَالَ بَعْضُهُمْ
|
أَرَاكَ يَزِيدُكَ الْإِثْرَاءُ[١] حِرْصاً |
عَلَى الدُّنْيَا كَأَنَّكَ لَا تَمُوتُ |
|
|
فَهَلْ لَكَ غَايَةٌ إِنْ صِرْتَ يَوْماً |
إِلَيْهَا قُلْتَ حَسْبِي قَدْ كُفِيتُ |
|
.
وَ قَالَ بَعْضُهُمْ حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا صَادَ قُنْبُرَةً[٢] فَقَالَتْ مَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ بِي قَالَ أَذْبَحُكِ وَ آكُلُكِ قَالَتْ وَ اللَّهِ مَا أَشْفِي مِنْ قَرَمٍ[٣] وَ لَا أُشْبِعُ مِنْ جُوعٍ وَ لَكِنْ أُعَلِّمُكَ ثَلَاثَ خِصَالٍ هُنَّ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَ أَكْلِي أَمَّا وَاحِدَةٌ فَأُعَلِّمُكَ بِهَا وَ أَنَا فِي يَدِكَ وَ أَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِذَا صِرْتُ عَلَى الشَّجَرَةِ وَ أَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِذَا صِرْتُ عَلَى الْجَبَلِ قَالَ هَاتِ الْأُولَى قَالَتْ لَا تَلْهَفَنَّ عَلَى مَا فَاتَ فَخَلَّاهَا فَلَمَّا صَارَتْ عَلَى الشَّجَرَةِ قَالَ هَاتِ الثَّانِيَةَ قَالَتْ لَا تُصَدِّقَنَّ بِمَا لَا يَكُونُ أَنَّهُ يَكُونُ ثُمَّ طَارَتْ فَصَارَتْ عَلَى الْجَبَلِ فَقَالَتْ يَا شَقِيٌّ لَوْ ذَبَحْتَنِي لَأَخْرَجْتَ مِنْ حَوْصَلَتِي دُرَّتَيْنِ وَزْنُ كُلِّ دُرَّةٍ عِشْرُونَ مِثْقَالًا قَالَ فَعَضَّ عَلَى شَفَتَيْهِ وَ تَلَهَّفَ وَ قَالَ هَاتِ الثَّالِثَةَ قَالَتْ أَنْتَ قَدْ نَسِيتَ الثِّنْتَيْنِ فَكَيْفَ أُخْبِرُكَ الثَّالِثَةَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَلْهَفَنَّ عَلَى مَا فَاتَكَ وَ لَا تُصَدِّقَنَّ بِمَا لَا يَكُونُ أَنَا وَ لَحْمِي وَ رِيشِي لَا يَكُونُ عِشْرِينَ مِثْقَالًا فَكَيْفَ يَكُونُ فِي حَوْصَلَتِي دُرَّتَانِ وَزْنُ كُلِّ وَاحِدَةٍ عِشْرُونَ مِثْقَالًا ثُمَّ طَارَتْ وَ ذَهَبَتْ
و هذا مثال لفرط طمع الآدمي فإنه يعميه عن درك الحق حتى يقدر ما لا يكون.
قَالَ بَعْضُهُمْ الرَّجَاءُ حَبْلٌ فِي قَلْبِكَ قَيْدٌ فِي رِجْلِكَ فَأَخْرِجِ الْحَبْلَ مِنْ قَلْبِكَ يَخْرُجِ الْقَيْدُ مِنْ رِجْلِكَ.
[١] الاثراء: كثرة المال يقال: فلان أثرى ماله إذا كثر فهو مثرى و ثرى و أثرى و المرأة ثرواء.
[٢] القبّرة. عصفورة و كذا القنبرة و القنبراء و الجمع قنابر.
[٣] قرم قرما بفتحتين من باب علم، اشتدت شهوته إلى اللحم.