مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٦٣ - بيان ذم الحرص و الطمع و مدح القناعة و اليأس مما في أيدي الناس
إلا أن يقنع بقدر الضرورة من المطعم و المشرب و الملبس و يقتصر على أقله قدرا و لا يتشوق إلى الكثرة و طول الأمل فإن ذلك غير القناعة و يتدنس لا محالة بالطمع و ذل الحرص و يجره الحرص و الطمع إلى مساوي الأخلاق و ارتكاب المنكرات الخارقة للمروات و قد جبل الآدمي على الحرص و الطمع و قلة القناعة
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ ذَهَبٍ لَابْتَغَى وَرَاءَهُمَا ثَالِثاً وَ لَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَ يَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابَ
وَ قَالَ مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ طَالِبُ عِلْمٍ وَ طَالِبُ مَالٍ
وَ قَالَ يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَ يَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ الْأَمَلُ وَ حُبُّ الْمَالِ
و لما كانت هذه جبلة الآدمي مضلة و غريزة مهلكة أثنى الله و رسوله على القناعة
وَ قَالَ طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ لِلْإِسْلَامِ وَ كَانَ عَيْشُهُ كَفَافاً وَ قَنِعَ بِهِ
وَ قَالَ ص لَيْسَ الْغِنَى كَثْرَةَ الْعَرْضِ[١] إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ
وَ نَهَى عَنْ شِدَّةِ الْحِرْصِ وَ الْمُبَالَغَةِ فِي الطَّلَبِ فَقَالَ أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ وَ لَيْسَ يَذْهَبُ عَبْدٌ فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ مَا كُتِبَ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَ هِيَ رَاغِمَةٌ
وَ رُوِيَ أَنَّ مُوسَى ع سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى فَقَالَ أَيُّ عِبَادِكَ أَغْنَى فَقَالَ أَقْنَعُهُمْ بِمَا أَعْطَيْتُهُ قَالَ وَ أَيُّهُمْ أَعْدَلُ قَالَ مَنْ أَنْصَفَ مِنْ نَفْسِهِ
وَ رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْساً لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ
وَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ لِيَ النَّبِيُّ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِذَا اشْتَدَّ بِكَ الْجُوعُ فَعَلَيْكَ بِرَغِيفٍ وَ كُوزٍ مِنْ مَاءٍ وَ عَلَى الدُّنْيَا الدَّمَارُ[٢]
وَ قَالَ ص كُنْ وَرِعاً تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ وَ كُنْ قَنِعاً تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ وَ أَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِناً
[١] العرض بفتحتين: المتاع. حطام الدنيا.
[٢] الدمار: الهلاك وزنا و معنى.