بحوث لفظية قرآنية - العقيلي، عبدالرحمن - الصفحة ٢٥٤ - تقدير الكلام في آيات القرآن بين الوهم والحقيقة
فكثيرا ما تجد آياتٍ يعتبر المفسرون واللغويون أن لها تقديراً معيناً قد يخالف ترتيب كلماتها في المصحف، أو أن التقدير يزيد لها الفاظاً لا وجود لها في النص،وما يتبع ذلك من معارك نحوية (بريئة) تقوم بين البصريين الذين (يقوّلون) الله باتجاه اليسار، بينما يثور عليهم الكوفيون فيقولّون الله باتجاه اليمين! ولشدّ ما يصل العجب ذروته عندما يبرز صنف ثالث فيحكم على النص القرآني بالتوجيه باتجاه ثالث بناءً على نص شعري قائله مجهول! ولا أعلم كيف جوزوا أن يقعّدوا القواعد على النص القرآني بسبب شعرٍ قائله مجهول بينما لا يرتضون لكثير من الآيات أن تؤخذ كما هي بل يجب أن تمرّ على مقصّ الرقيب اللغوي فيقوم بتوجيهها وتصنيعها لتلائم القاعدة التي يؤمن بها هو! يقول الفخر الرازي[٢٩٣](إذا جوزنا إثبات اللغة بشعرٍ مجهولٍ فجواز اثباتها بالقرآن العظيم أولى، وكثيراً ما نرى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن فإذا استشهدوا في تقريرها ببيت مجهول فرحوا به، وأنا شديد التعجب منهم فإنهم إذا جعلوا ورود البيت المجهول على وفقها دليلاً على صحتها فلأن يجعلوا ورود القرآن دليلاً على صحتّها كان أولى).
فينتج عن ذلك نصوص لم تنزل من السماء، بل قالها بشر يخطئون ويصيبون، ويتكلّفون ويتعسّفون، ويختلفون اختلافاً فاحشاً، ولكنهم يتفقون في النهاية على أن كلام الله قابل للتوجيه، وذلك بعدما يضيفون عبارات من عندهم بحجة أن كلام الله يتضمن تلك المحذوفات المقدّرة!
[٢٨٩] أثر القرآن والقراءات في النحو العربي - ص٣٢١