صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ١٦٧ - رسالة اخلاقية وعرفانية
ولعل الادعاء بان بعض الامور البرهانية يمكن ان لاتكون موضع التصديق والايمان، يمكن ان يكون هو نفسه يبدو صعبا او عديم الاساس، ولكن يجب ان نعلم انه امر وجداني ووردت الاشارة اليه في القرآن الكريم مثل الآيات الكريمة من سورة التكاثر. واما الوجدان فانكم تعلمون ان الموتى لاحراك يصدر منهم ولايستطيعون ان يصيبوكم باذى وان آلاف الموتى لا يبلغ نشاطهم مستوى نشاط ذبابة واحدة وانهم سوف يحيون في هذا العالم بعد الموت وقبل يوم النشور، ولكنكم لاتمتلكون القدرة على النوم بهدوء إلى جانب الميت لوحدكم، وليس ذلك الا لان علمكم وقلبكم لم يصدقا، ولم يوجد الايمان به فيكم، ولكن غسّالي الاموت الذين صدقوا من خلال تكرار العمل يختلون بهم بهدوء بال.
والفلاسفة يثبتون بالبراهين العقلية حضور الحق تعالى في كل مكان، ولكن مالم يصل إلى القلب ما اثبته العقل بالبرهان ومالم يؤمن به القلب، فانه لايؤدي ادب الحضور، واولئك الذين اوصلوا إلى القلب حضور الحق تعالى وآمنوا به فانهم يؤدون ادب الحضور حتى وان لم تكن لهم علاقة بالبرهان ويتجنبون ما يتنافى مع حضور المولى. وعلى هذا فان العلوم الرسمية هي حجب بحد ذاتها وان تمثلت في الفلسفة وعلم التوحيد، وكلما زادت اصبح الحجاب اكثر سمكاً.
وكما نعلم ونرى فان لسان دعوة الانبياء عليهم السلام- والاولياء الخلّصين سلام الله عليهم- ليس لسان الفلسفة والبرهان الشائع بل ان الذين هم على صلة بارواح الناس وقلوبهم ويوصلون النتائج إلى قلوب عباد الله ويهدونهم من داخل الروح والقلب. وان شئت فقل ان الفلاسفة واهل البرهان يزيدون من الحجب والانبياء- عليهم السلام- واصحاب القلوب يسعون من اجل رفع الحجاب، ولهذا فان المتخرجين من مدرستهم وتلامذتهم، هم اصحاب البرهان والقيل والقال ولايمتون بصلة إلى القلب والروح.
ان ما قلته لايعني ان لاتتناول الفلسفة والعلوم البرهانية والعقلية وتعرض عن العلوم الاستدلالية، فهذه خيانة للعقل والاستدلال، بل اعني ان الفلسفة والاستدلال طريق للوصول إلى الهدف ولكنهما ليسا هدفا بحد ذاتهما والدنيا مزرعة الآخرة [١] والعلوم الرسمية هي مزرعة الوصول إلى الهدف، كما ان العبادات هي ايضا المعبر إلى الله- جل وعلا-، فالصلاة اسمى العبادات ومعراج المؤمن والجميع منه واليه. وان شئت قل: ان جميع المعروفات هي درجات من سلم الوصول اليه- جل وعلا- وجميع المنكرات هي المانعة من طريق الوصول والعالم كله متحير فيه وفراشة جماله الجميل.
[١] (١) عوالي اللآلي ١: ٢٦٧/ ٦٦.