حماة الوحى - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٢٣٩ - المؤلّف و الإقرار بالعلم
و قيادته من أجل تحقيق النصر، عن معارك الإسلام و الانتصارات الباهرة التي حقّقها جدّه و أبوه في تلك المعارك، لم لا يتحدّث عن معركة الجمل؟ لو كان يأمل بالنصر لكان من المناسب الحديث عن تلك المعارك لا عن حادثة يحيى! الإمام عليه السلام يمثّل قمّة الأدب و البلاغة، و عليه أن يتكلّم بما ينسجم و مقتضى الحال، لو كان هناك من أمل بالغلبة و النصر؛ فإنّ مقتضى الحال يتطلّب من الإمام التحدّث عن قضية أبناء الطلقاء عند فتح مكّة و كسر شوكة أبي سفيان، ليشتدّ عزم الأصحاب في خوض المعركة، فيزيد ابن ذلك المدحور المهزوم في معارك الإسلام. إذن، فإثارة الإمام لحادثة يحيى تفيد شيئاً آخر يجعل الحسين عليه السلام يحثّ الخُطى لاستقباله. نعم، هذه هي الطريقة التي تجعل سيد الشهداء عليه السلام يحطّم حاجز الصمت و يخرج من تلك الحيرة العظيمة، و لذلك يتكلّم خلال المسيرة عن الموت و الشهادة إلى صحبه، ثمّ أخذ الإمام يخوض في التفاصيل أكثر فأكثر كلّما اقترب من أرض كربلاء. فقد نقل مثلًا رؤياه إلى ولده عليّ بن الحسين و هو يسترجع كثيراً، ثمّ أخبره بأنّه سمع منادياً ينادي «القوم يسيرون و المنايا تسري إليهم» [١]. و نرى أنّ الإمام إنّما يهدف من هذه الكلمات إلى إعداد صحبه و لا سيّما أهل بيته إلى ما سيواجههم من حوادث، و لذلك يردّ عليه «لا نبالي نموت محقّين» [٢].
نعم، كان الإمام عليه السلام يعلن عن هذه الأحداث رغم أنّ المسافة كانت بعيدة نسبياً عن يوم عاشوراء و أرض كربلاء. على كلّ حال أدرك الجميع أنّه آن الأوان لتلك الروايات و الأحاديث و الأخبار التي صرّح بها النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و أمير المؤمنين عليه السلام. ثمّ تحدّث الإمام عن الموت أيضاً حين التقى الحرّ بن يزيد- طبق نقل الطبري
[١] تاريخ الطبري ٤: ٣٠٨.
[٢] تاريخ الطبري ٤: ٣٠٨.