حماة الوحى - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ١١١ - زبدة الكلام
و على كلّ حال، في القرآن الكريم آيات ناسخة لآيات أُخرى، و الآية المنسوخة باقية على حالها مدوّنة في القرآن، و النسخ لا يعني إزالة صورتها من كونها آية، فهي باقية و محفوظة من حيث النزول، و لكن لم يعدّ لها من أثر، و فقدان الشيء لأثره يعني في الواقع زواله و تساوي وجوده و عدمه ... إذن، فالنسخ لا يعني شيئاً أكثر من زوال الأثر. و بعبارة أوضح: فإنّ نسخ الآية هو عبارة عن إزالة حكمها و استبداله بحكم الآية الثانية «الناسخة». و نخلص من هذا إلى أنّ نسخ الآيات إنّما يقتصر على الآيات المتعلّقة بالأحكام، و لا يسري هذا النسخ أبداً إلى الآيات التي تتعرّض إلى الحقائق المسلّمة التي لا يعتريها التغيير. أ فيمكن تصوّر النسخ بحقّ الآية الشريفة اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ؟ أو يمكن زوال الحقائق الثابتة و الدائمة؟ و لمّا كانت الأديان واحدة في العقائد، و قد نهض جميع الأنبياء بمهمّة هداية الامم لهذه العقائد، فإنّه يمكننا القول بأنّه ليس هنالك من دين ينسخ آخر من حيث الاصول العقائدية، فالاعتقاد باللَّه و الثواب و العقاب و الحساب و صفات الجمال و الكمال إنّما هي من الحقائق المسلّمة التي تأبى التغيير و الزوال، و لذلك فإنّ النسخ إنّما يكون في الشرائع. و بعبارة أُخرى: لا بدّ من الإذعان بأنّ الدين الإسلامي ليس بناسخ لنبوّة و رسالة من كان قبله من الأنبياء، بل القرآن ناسخ لشرائع سائر الأنبياء، فهذا القرآن لا ينفكّ يؤكّد أنّ الكتاب السماوي الإسلامي مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ [١] مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ [٢]. مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [٣]. مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ [٤]
[١] سورة البقرة: الآية ٨٩، ١٠١.
[٢] سورة آل عمران: الآية ٨١.
[٣] سورة الأنعام: الآية ٩٢.
[٤] سورة البقرة: الآية ٤١؛ سورة النساء: الآية ٤٧.