حماة الوحى - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ١١٧ - العنوان الأوّل قصص الأنبياء و الامم الماضية
نعم، إنّ هذه المحاجّة القرآنية لأحبار اليهود إنّما تهدف إلى تنبيه المسلمين، بل كلّ إنسان، إلى أصل مسلَّم من الأُصول التي تأبى التغيير، و تنبيه الأُمّة من أجل سلوك السبيل القويم للفوز بالآخرة و الابتعاد عن سبل الهلكة. و خلاصة هذا الأصل: أنّ الإنسان إذا اعتاد الذنوب و لم يلتفت إلى نفسه، و قضى عمره في الأفعال القبيحة، فلن يكون مصيره سوى النار و الخلود فيها. ٢- كان اليهود يسعون لإثبات أصالة دينهم و نفي الشرعية عن دين النصارى من خلال تشبّثها بإبراهيم عليه السلام، و هذا ما كانت تدّعيه النصارى أيضاً وَ قالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ ... [١]، فردّت عليهم الآية القرآنية من سورة آل عمران قائلة: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَ ما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَ الْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ [٢]. و قد أشارت آية اخرى صراحة إلى مفهوم هذه الآية فقالت ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لا نَصْرانِيًّا وَ لكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [٣]. فما الذي يمكن استنباطه من هذه الآية؟ نفهم من هذه الآية أنّ اليهوديّة و النصرانيّة قد تجاوزت أهداف موسى و عيسى، فأتباع موسى ليسوا بيهود، كما لا يمكن لأتباع عيسى أن يكونوا نصارى؛ لأنّ إبراهيم مسلم، لا يهودي و لا نصراني. إذن، فاليهودية و النصرانية أسماء ابتدعها أهل الكتاب لأنفسهم، و هي تتنافى و التسليم للَّه و سلوك الصراط المستقيم، و ما سبيل موسى و عيسى سوى الإخلاص و التسليم و العبودية للَّه، فقد قال عيسى عليه السلام: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ [٤]. و لا نبالغ إذا قلنا بأنّ الآية تلمّح إلى شرك اليهود و النصارى،
[١] سورة البقرة: الآية ١١٣.
[٢] سورة آل عمران: الآية ٦٥.
[٣] سورة آل عمران: الآية ٦٧.
[٤] سورة آل عمران: الآية ٥١.