تفصيل الشريعة- الخمس و الانفال - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ١١١ - الخامس ما زاد عن مئونة السنة
النبيّ (صلّى اللَّه عليه و آله) و مثله أوجب الجهل بما في زمانه و مثله، خصوصاً مع وجود أُمور أُخر مانعة عن ظهور الأحكام الإسلاميّة و رواجها، مثل تغيّر مسير الخلافة و انحرافها عن موردها الأصلي، و مثل حكومة من لا يرى البهاء إلّا لنفس الحكومة لا لكونها طريقاً لإجراء أحكام الإسلام.
و معاملة معاوية مع المصالحة التي عقدها مع الحسن (عليه السّلام) معروفة، و قوله لمغيرة بعد سماع معاوية الشهادة بالرسالة من المؤذِّن مشيراً إلى الرسول (صلّى اللَّه عليه و آله): «إنّ هذا الشخص جعل اسمه قريناً لاسم اللَّه تبارك و تعالى و اللَّه دفناً دفناً» [١] و أشار بذلك إلى السعي في إمحاء الدين إلى مرحلة الفناء المحض، و قول أبيه لجمع من أقربائه عند وصول الخلافة إلى الثالث ما يرجع إلى أنّه لا دين و لا رسالة و أمرهم بتلقّف الخلافة تلقّف الكرة [٢]، و هكذا خلفاء بني العبّاس، و عليه فلا عجب في إخفاء أمر الخمس خصوصاً مع دلالة آية وحيدة على ذلك.
و ممّا يؤكّد هذا الأمر أنّ النبيّ (صلّى اللَّه عليه و آله) مع توضّئه كثيراً بمحضر من الناس للصلاة اليوميّة و غيرها صار وضوؤه مخفيّاً للناس إلى هذه الأزمنة أيضاً، و قد ورد في كثير من الروايات حكاية وضوء النبيّ و بيان كيفيّته، و حينئذٍ فلا مانع من خفاء حكم الخمس، خصوصاً مع تعلّقه بالرسول و أقربائه، و بناء الحكومات على عدم شيوع أمرهم و عدم تحقّق الاستيلاء لهم بوجه.
و ممّا يؤيّد أنّ أمر الخمس كان معمولًا به في زمن النبيّ (صلّى اللَّه عليه و آله) أيضاً أنّ أصحاب الخمس كانوا كثيرين و لم يكن لهم طريق للإعاشة نوعاً غير الخمس، و قد ورد في
[١] راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٤: ١٢٩ ١٣٠ و الغدير ١٠: ٣٩٧.
[٢] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٩: ٥٣، مروج الذهب ٢: ٣٥١.