أخلاق أهل البيت عليهم السلام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٢٠٠ - وإيثار التفضّل
الذي هو حكم الله تعالى ، من هذا الرجل الجليل والورع التقيّ الذي كان من أثرياء الشيعة في بغداد لكن اُخذ وحبس لتشيّعه ، فأصابه الجهد والضيق العظيم من ذلك ، واُخذ كلّ شيء كان له بأمر المأمون العبّاسي ، وضُرب مائة خشبة.
وبالرغم من حاجته الماسّة هذه تراه يؤثِر المؤمنين على نفسه ، ويقدّم حاجة أخيه على حاجته.
والنموذج الآخر من الإيثار ، إيثار الشيخ الأعظم الأنصاري قدس سره :
آثر تلك المرأة المؤمنة الأرملة على نفسه ، وهو في غاية الاحتياج إلى المال في حياته ، في قضيّته المعروفة التي حدّث بها بعض الأعاظم : ـ
فإنّه في أوّل شبابه ، ولعلّه في سنّ العشرين أو قبل العشرين من عمره ، جاء إلى كربلاء المقدّسة لحضور درس شريف العلماء أعلى الله مقامه الذي كان يحضره ألف تلميذ ، وفيهم المجتهدون.
وكان الشيخ الأنصاري في تلك الأيّام يعيش في فقر مالي ، وأزمةٍ اقتصاديّة شديدة ، مع أنّ غداءه وعشاءه لم يكن أزيد من خبزٍ ولبن ، أو خبز وتمر ، أو خبز وملح ، وبالرغم من ذلك لم يكن له من المال ما يتكفّل بهذا الطعام ، وهذا المقدار من الغذاء.
ففكّر أن يشتغل ويكتسب في بعض ساعات نهاره بشكلٍ لا يزاحم دروسه ، علماً بأنّ التكسّب والعمل للعيش مفخرةً للمؤمن ، ولا عيب فيه للمرء ، بل هو عزّةً له ، لذلك عبّر الإمام الصادق عليه السلام لمن تأخّر عن محلّ عمله وقال له : ـ (اُغذُ إلى عزّك).
ولذلك جمع الشيخ الأنصاري مقداراً من الأقفال التي لا مفتاح لها ، ومقداراً من المفاتيح التي لا قفل لها بثمنٍ زهيد ، لأنّها سلعة ناقصة.
وكانت تلك الأقفال والمفاتيح آنذاك تُصنع باليد ، وقد يضيع من أحدٍ مفتاحه فيحتاج إلى مفتاح يرهم لقفله ، أو يضيع قفله فيحتاج إلى شراء قفلٍ يناسب