الأقسام القرآنية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤٩ - ٢ التاريخ البشري
يحمل معه سلة صغيرة ويتحرك تحت الأشجار فيرى بعد مدّة قليلة أن السلة مليئة بأنواع الفواكه المتساقطة من الأشجار.
والخلاصة أنّ السد المذكور قد تسبب في بناء حضارة عظيمة ومدهشة لأهالي اليمن ولكن بعض الناس عندما يستلمون زمام القدرة ويمتلكون مقاليد السلطة ينسون كل شيء ويتحركون في خط الغفلة والكفران للنعمة والإعتراض على واهب النعم، وهكذا كان حال أهالي اليمن فقد كانوا يقولون:
«رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ» [١].
وهكذا قرر اللَّه تعالى تخريب ذلك السد الترابي الذي يعتبر مصدر تمدن وازدهار مدينة سبأ، ولكنّ هذه المهمّة لم يكن يتولاها الملائكة الشداد، بل تولى هذه المهمّة عدّة فئران صحراوية أخذت تحفر جحورها في هذا السد، وتدريجياً أحدثت ثقوباً فيه وأخذ الماء يجري من هذه الثقوب وازداد الخرق اتساعاً بقوة الماء المتدفق من هذه الثقوب والثغرات إلى أن سمعوا فجأة صوتاً مهيباً في جميع أنحاء السد ولم يكن ذلك الصوت الرهيب سوى صوت انهدام السدّ الترابي فتدفقت المياه المتجمعة خلفه إلى المساحات والمدن أمامها بسرعة وهي تكتسح كل ما في طريقها وتدمر ما يقع أمامها من البساتين والمزارع والأشجار والبيوت فلم يبق أي أثر لذلك التمدن الكبير سوى بقية من جذوع الأشجار الصحراوية، والأشخاص الذين بقوا على قيد الحياة هجروا تلك المنطقة وتحوّل ذلك العمران إلى خراب، وتلك المزارع الزاهرة إلى صحارى جافة وموحشة. أجل! فالتاريخ زاخر بالدروس والعبر، ولهذا أقسم اللَّه تعالى به.
[١]. سورة سبأ، الآية ١٩.