الأقسام القرآنية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩٠ - شرح و تفسير الآية المعاد الجسماني
الذرات المتناثرة في الفضاء ويعيدها إلى إنسان كامل، هنا نزلت الآية المذكورة، ومثل هذا المعنى ورد في قصّة سورة يس في شأن نزول الآية ٧٧ في آخر هذه السورة.
وهنا نرى أنّ اللَّه تعالى في مقام الجواب عن هذا السؤال يثير أمامناً استدلالًا منطقياً ثم يتحرك على مستوى التهديد بالعذاب الأليم لمن لا ينفع معه منطق الاستدلال ولا يفهم لغة العقل:
«أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً».
هل هؤلاء الأشخاص الذين ينكرون المعاد نسوا خلقهم الأول؟ ألم نخلقهم من تراب؟ إذن فما هي المشكلة في إعادتهم مرّة أخرى للحياة؟ إذا سار شخص في طريق خاص لعدّة مرات، فهل يواجه مشكلة في مسيره فيالمرات اللاحقة، أم يكون مسيره في المرات الأخرى أيسر وأسهل؟
وعلى هذا الأساس فإنّ اللَّه تعالى كما أنّه خلق الإنسان من تراب، بل في زمان لم يكن تراب أيضاً وخلق اللَّه التراب وخلق منه آدم عليه السلام، ففي يوم القيامة يعيده إلى الحياة مرّة أخرى ويحيى ذلك التراب مرّة ثانية، وهذا العمل يعتبر أيسر وأسهل من المرّة الاولى.
وبعد أن يبيّن القرآن الكريم هذا الاستدلال المنطقي، يتحرك على مستوى التهديد بقوله:
«فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً».
«جثياً» جمع «جاثٍ» [١] ويقال للشخص الذي وقف على ركبتيه ولا يستطيع
[١]. ضمناً أنّ أحد الصور الفلكية يقال لها «الجاثي على ركبتيه»؛ وهذا اسم لمجموعة من النجوم التي تجتمع فيمدار واحد، ويمكن رؤيتها من سطح الأرض على شكل انسان واقف على ركبتيه.
والعجيب أنّ هذه الصور الفلكية التي كشفها المسلمون واختاروا لها أسماء عربية، معروفة عند علماء الغرب بهذه الأسماء، وهذا دليل على أنّ علماء الغرب استفادوا من علوم علماء الإسلام.