الأقسام القرآنية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٥ - لماذا كل هذه الأقسام؟
الحياة في الدنيا تمرّ بدون تعب ومشقة وألم، فأنتم مخطئون وهذا التصور باطل، فالإنسان يواجه في حركة الحياة مشاكل وتحديات كثيرة، ولذلك لا تجدون في جميع مناطق المعمورة إنساناً يعيش بدون مشكلة وتعب.
يروى أنّ شخصاً في الماضي كان يعيش مرض «الكآبة [١]» المزمنة، ويوماً بعد آخر يسوء حاله أكثر وتتدهور صحته، فقال له طبيب: «إذا رأيت شخصاً يعيش بدون همّ وغم فخذ قميصه والبسه فسوف تعود إليك صحتك وعافيتك».
فانتشر أقرباؤه ورفقاؤه للبحث عن هذا الشخص بهذه المواصفات بين الناس والأرحام والجيران وأهل المدن الأخرى، ولكنّهم كلما تحدّثوا مع شخص وجدوه مبتلى بمشكلة ويعيش في مواجهة مسائل مؤلمة، فاضطروا أخيراً إلى التوجه للمناطق البعيدة والقرى والقصبات النائية واستمروا في البحث ليل نهار عن شخص لا يعيش الهم والمشاكل، ولكنّهم كلما سعوا للعثور على مثل هذا الشخص باءت مساعيهم بالفشل ولم يحصلوا على نتيجة مرجوة وتدريجياً أخذ اليأس يسري في نفوسهم وبانت علائم فقدان الأمل على وجوههم إلى أن وجدوا يوماً شاباً من الرعاة في الصحراء كان غارقاً في جو السرور والفرح وهو يغني ويضرب على عوده، فأشرقت ملامح الأمل في عيونهم واقتربوا منه وسألوه عن وجود مشكلة لديه، فهو لا يملك زوجة ولا أطفال ولا يواجه مشكلة مع الجيران ولا مشكلة إدارية ولا مشكلة مسكن، ولا مشكلة المرض، ولا مشكلة القرض ولا أي مشكلة أخرى، فقالوا: نحن نحتاج لقميصك تعيرنا إيّاه ليلبسه مريض من أرحامنا ليشفى
[١]. إنّ مرض الكآبة مرض صعب ومؤلم، وللأسف انتشر هذا المرض في عصرنا الحالي، وله أسباب وعواملمختلفة ومتعددة، أهمها فقدان أو ضعف الإيمان. والذي يملك إيماناً قوياً وراسخاً فمن المحال أن يصاب بهذا المرض أو يقتل نفسه وينتحر، وليس هذا مجرّد ادّعاء منّا بل إنّ الآيات القرآنية جاءت مؤيدة لذلك؛ لهذا نقرأ في الآية ٦٤ من سورة يونس: «لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِى الْآخِرَةِ»، وذلك لأنّهم يتسلحون في مواجهة المشاكل والصعاب والابتلاءات بالصبر والحلم، ويعيشون في حال المرض حالات الشكر للَّهتعالى. وعليه فإنّ أهم علاج ودواء لمرض الكآبة هو تقوية أواصر الإيمان والتوجه إلى اللَّه تعالى.