الأقسام القرآنية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٨ - المقسم له (ما أقسم اللَّه تعالى من أجله)
العادلة التي تدقق في جميع أعمال الإنسان الصغيرة منها والكبيرة، والصالحة والطالحة، وينتهي الأمر إلى عملية الثواب والعقاب:
«فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ» [١].
إنّ القاضي في هذه المحكمة هو اللَّه تعالى والموظفون هم الملائكة والشهود هم أعضاء بدن الإنسان والأرض والزمان، وهذه المحكمة لا تقبل أي رشوة وهدية من الموقوفين فيها، والحقيقة أنّ ذلك اليوم هو يوم عظيم وعجيب وهو اليوم الذي يستلم فيه المجرمون صحيفة أعمالهم وينادون بالويل والثبور، يقولون: يا ليتنا لم نواجه ولم نقرأ هذه الصحيفة، ياليتنا كنّا تراباً، ولم نكن مخلوقين في العالم ولم نر مثل هذا اليوم، والحقيقة أن يوم القيامة يوم عظيم: «إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ* نَذِيراً لِّلْبَشَرِ»
إنّ يوم القيامة يوم الإنذار الرهيب للناس، أجل فذلك اليوم يوم نذير وبشير، فهو نذير للمجرمين والمتمردين والعاصين، وبشير للمحسنين والمطيعين والصالحين.
إنّ تناسب القسم (النور والظلمة) والمقسم له (الانذار والتبشير) يعكس مفهوماً رائعاً وشيّقاً، فكما أنّ النور والظلمة يعدّان نعمتين إلهيتين للإنسان، كذلك البشارة والانذار أيضاً من النعم الإلهيّة. إنّ الدافع ل «جلب المنفعة» و «دفع الضرر» موجود في واقع الإنسان ووجدانه، وهذ الاحساس في الإنسان ذاتي وفطري، وقد استخدم اللَّه تعالى هذه المعادلة في جلب المنفعة ودفع المضرة، ليبتعد هذا الإنسان عن العذاب الإلهي، ويستفيد من غريزة جلب المنفعة للتوصل إلى النعيم الإلهي والجنّة الخالدة.
أجل، إنّ اللَّه تعالى باستخدامه لهذه المعادلة في جلب المنفعة ودفع الضرر، تحرك على مستوى التبشير والانذار لدفع الإنسان باتجاه مراتب القرب الإلهي وتحريكه في خط الطاعة والمسؤولية والعبودية.
واللافت أنّ عملية الإنذار والبشارة تشمل جميع أفراد البشر حتى الأنبياء
[١]. سورة الزلزلة، الآيتان ٧ و ٨.