الأقسام القرآنية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤٠ - ب) الصفات الأربع للقرآن الكريم
«أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ» [١].
فلما سمع فضيل هذه الآية غرق في التأمل وأخذ يحدث نفسه قائلًا:
يا فضيل! هذا كلام اللَّه والمخاطب لهذا الكلام هو أنت وأمثالك، إلى متى تخوض في المعاصي والذنوب؟ وإلى متى تتسلق جدران البيوت وتوصد الطريق أمام القوافل وتنهب ما فيها من أموال الناس وممتلكاتهم؟ وفي ذلك المكان رفع فضيل يديه إلى السماء وقال مقام الجواب عن الخطاب الإلهي: إلهي لقد آن لقد آن. وهكذا أحدثت هذه الآية الشريفة انقلاباً روحياً كبيراً في نفس فضيل وانصرف عن السرقة والعدوان ورجع إلى بيته وأخذ يفكر في ماضيه المليء بالذنوب وفي كيفية جبران ما فاته وما ارتكبه، فجاء إليه رفاقه في العصابة من الأشرار واللصوص وأخبروه عن مجيىء قافلة محملة بالأموال وأنّها ستمر بالطريق الفلاني، وطلبوا من فضيل أن يستعد للهجوم على هذه القافلة ونهبها فحدّثهم فضيل بقصته ويقظته، ومنذ ذلك الوقت لم يرتكب فضيل أية سرقة ولا أي ذنب آخر، وانشغل بإصلاح نفسه وتهذيب قلبه من الرذائل والشوائب الدنيوية حتى أصبح من زهاد عصره المعروفين [٢].
أجل! فلا يكفي مجرّد الاستغفار في مقام التوبة، بل مضافاً إلى ذلك ينبغي للإنسان الإتيان بالأعمال الصالحة لجبران الماضي، أي أنّه يتحرك في خط الخير والصلاح إلى أن يستطيع تغطية الأخطاء السابقة وجبرانها.
وخلاصة الكلام أنّ الآيات القرآنية إلى درجة من الإثارة بحيث إنّ آية واحدة
[١]. سورة الحديد، الآية ١٦.
[٢]. التفسير الأمثل، ذيل الآية المذكورة.