الأقسام القرآنية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥٣ - ٣ عصر بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله
لِلشُّبُهاتِ وَاحْتِجاجاً بِالْبَيّناتِ، وَتَحْذِيراً بِالْآياتِ، وَتَخْوِيفاً بِالْمَثُلاتِ. وَ النَّاسُ في فِتَنٍ انْجَذَمَ فِيها حَبْلُ الدّينِ وَتَزَعْزَعَتْ سَوارِي الْيَقِينِ وَاخْتَلَفَ النَّجْرُ وَتَشَتَّتَ الْأَمْرُ، وَضَاقَ الَمخْرَجُ وَعَمِيَ الْمَصْدَرُ فالهُدَى خَامِلٌ، وَالْعَمَى شَامِلٌ.
عُصِيَ الرَّحْمنُ، وَنُصِرَ الشَّيْطَانُ، وَخُذِلَ الْإِيمانُ فَانْهارَتْ دَعَائِمُهُ، وَتَنَكَّرَتْ مَعَالِمُهُ وَدَرَسَتْ سُبُلُهُ وَ عَفَتْ شُرُكُهُ. أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ، وَوَرَدُوا مَنَاهِلَهُ بِهِمْ سَارَت أَعْلامُهُ وَقامَ لِوَاؤُهُ، في فِتَنٍ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِها، وَوَطِئَتْهُمْ بِأَظْلافِها وَقَامَتْ عَلَى سَنَابِكِها، فَهُمْ فِيها تَائِهُونَ حَائِرُونَ جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ، في خَيْرِ دارٍ، وَشَرّ جِيرانٍ نَوْمُهُمْ سُهُودٌ وَكُحْلُهُمْ دُمُوعٌ، بِأرْضٍ عَالِمُها مُلْجَمٌ وَجَاهِلُها مُكْرَمٌ. همْ مَوْضِعُ سِرَّهِ، وَلَجَأُ أَمْرِهِ، وَعَيْبَةُ عِلْمِهِ، وَمَوْئِلُ حُكْمِهِ، وَ كُهُوفُ كُتُبِهِ، وَجِبَالُ دِينِهِ، بِهِمْ أَقامَ انْحِناءَ ظَهْرِهِ، وَأذْهَبَ ارْتِعَادَ فَرائِصِهِ. زَرَعُوا الْفُجُورَ، وَ سَقَوْهُ الْغُرُورَ، وَ حَصَدُوا الثُّبُورَ، لايُقاسُ بِآلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله مِنْ هذِهِ الْأُمَّةِ أَحَدٌ، وَلا يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ أَبَداً: هُمْ أَسَاسُ الدينِ، وَ عِمَادُ الْيَقِينِ. إِلَيْهِمْ يَفِيُ الْغَالي، وَ بِهِمْ يُلْحَقُ التَّالي وَ لَهُمْ خَصَائِصُ حَقّ الْوِلايَةِ، وَ فِيهِمْ الْوَصِيَّةُ وَ الْوِرَاثَةُ؛ الآنَ إِذْ رَجَعَ الْحَقُّ إِلَى أَهْلِهِ وَ نُقِلَ إِلَى مُنْتَقَلِهِ!» [١].
يقول العالم المعروف «غوستافلوبون»: «إنّ من بين البلدان التي لم تخضع للاستعمار هي أرض الحجاز، لأنّه لا يوجد شيء فيها يدعو المستعمرين للهجوم عليها، فقد كان الناس فيها متخلفون وهمجيون ولا شيء لديهم من معالم الثقافة والتمدن والتحضر».
أجل! فقد أوجد الإسلام ثورة عظيمة في ذلك المحيط الاجتماعي المظلم، وكانت نتيجة هذه الثورة العظيمة، أن اندفع المجتمع البشري بخطوات هائلة نحو التقدم العلمي والسياسي والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، إلى درجة أن أضحى
[١]. نهج البلاغة، الخطبة ٢.