الأقسام القرآنية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤٧ - ٢ التاريخ البشري
وأخيراً توصل إلى هذه النتيجة، وهي أنّ المشركين العرب في مكة ربّما لهم يد في هذا الحادث، ولذلك جهز جيشاً كبيراً وتوجه إلى مكة بقصد هدم الكعبة للانتقام من المشركين في مكة، وعندما وصل جيش أبرهة على مقربة من مكة وشاهد أهالي مكة ذلك الجيش العظيم فزعوا بشدة وامتلكهم الخوف والرعب، لأنه أولًا: إنّ المشركين لم يروا جيشاً من الفيلة قبل ذلك، وثانياً: لم يشاهدوا جيشاًبتلك العظمة والشدة في ذلك الوقت.
وعندما اقترب أبرهة من جبال مكة توقف قليلًا وأرسل رسولًا ليأتي بزعيم مكة إليه، وكان عبدالمطلب جدّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله في ذلك الوقت كبير مكة، فجاء إلى أبرهة، فلما رأى أبرهة معالم العظمة والعزّة على ملامح عبدالمطلب نزل من مركبه وأخذ بيد عبدالمطلب وجلسا سوياً على الأرض، ثم أخبره بسبب قدومه مع هذا الجيش الكبير إلى مكة، وقال: ماذا تطلب منّي؟
فقال له عبدالمطلب:
«إنّي أنا ربّ الإبل، وإنّ للبيت ربّاً سيمنعه عليك» [١].
وهكذا عاد عبدالمطلب إلى مكة وأمر الناس بالتوجه إلى الجبال المحيطة بمكة واللجوء إليها، فتقدم جيش أبرهة باتجاه الكعبة قاصداً هدمها، وفجأة شاهد الجنود الذين يركبون الفيلة سحاباً من بعيد يتجه نحوهم من جانب البحر الأحمر، وعند اقتراب السحاب شاهدوا طيوراً صغاراً كل واحد منها يحمل ثلاثة أحجار صغيرة بمقدار الحمصة، أحدها في منقاره والحجران الآخران بقدميه، فلم يرسل اللَّه تعالى في مقابل الجيش العظيم المجهّز بالفيلة، جيشاً أعظم منه بل بعث عليهم هذه الطيور الصغار لمهاجمتهم والتصدي لهم، فكل طير منها مأمور بقتل ثلاثة جنود من جيش أبرهة، فهلك جميع أفراد جيش أبرهة ولم يسلم منهم سوى نفر واحد عاد مسرعاً إلى اليمن ليخبرهم عمّا حلّ بجيش أبرهة من الهلاك والدمار والفضيحة.
[١]. التفسير المنير، ج ٣٠، ص ٤٠٤.