فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٠٤
ولكنّنا نفهم أنّ المراد بالموافقة الموافقة الروحية ؛ أي توافق مضمون الحديث مع الاُصول الإسلامية العامّة المستفادة من الكتاب والسنّة ، فإذا كان الخبر مثلاً ظاهره الجبر فهو مرفوض ؛ لمخالفته قاعدة الأمر بين الأمرين المستفادة من الكتاب والسنّة بدون مقارنته مع آية معيّنة ، وهذا المفهوم الذي نطرحه هو الذي يعبّر عنه علماء الحديث المتأخّرون بالنقد الداخلي للخبر ؛ أي مقارنة مضمونه مع الاُصول العامّة والأهداف الإسلامية ، وهو المعبّر عنه في النصوص بالقياس ، نحو : « فقسه على كتاب اللّه » .
إذن ، فمن المحتمل كون المراد من عمل ابن الجنيد بالقياس هو كونه من المدرسة المتشدّدة في قبول الحديث التي تلتزم بنظرية النقد الداخلي للحديث والموافقة الروحية فيه للكتاب والسنّة ، في مقابل مدرسة المحدّثين التي تعتقد بقطعية صدور أكثر الأحاديث دون مقارنتها مع الاُصول الإسلامية » (٣٦).
المنــاقشة :
أوّلاً :إنّا لا ننكر اشتراك لفظة القياس بين معناه الاصطلاحي وبين المعنى المذكور في قوله (عليه السلام) « فقسه على كتاب اللّه » الذي هو بمعنى العرض ، إلاّ أنّ المتأمّل في كلمات من نسب إليه العمل بالقياس كالشيخ المفيد والطوسي والنجاشي يجزم ـ لصراحتها ـ بعدم إرادة المعنى الثاني من كلامهم ، وإلاّ لو كان المراد ذلك لما استوجب الذمّ والمقاطعة لآرائه وكتبه ؛ فإنّ الرجوع لكتاب اللّه وعرض الحديث وقياسه عليه بأيّ معنى فسّرناه ممّا لا ينبغيفيه التوقّف أو الإشكال .
ثانيــاً :إنّ من المستبعد تبلور فكرة النقد الداخلي للحديث عند القدماء ، ولا شاهد له في كتبهم واستنباطاتهم ، وإنّما تبلورت هذه الأفكار تزامناً مع تطوّر واتّساع علمي الحديث والاُصول .
المحــاولة الثالثة :
إنّ ابن الجنيد لم يكن يعمل بالقياس ، وذلك لإمكان أن يكون رميهم له
(٣٦)الرافد إلى علم الاُصول : ١١.