كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٢١٧ - باب ايلاذ و بلاذ و ايراخت
و العاقل لا يعجل في العذاب و العقوبة، و لا سيّما من يخاف النّدامة كما ندم الحمام الذّكر. و قد سمعت أيضا أنّ رجلا دخل الجبل و على رأسه كارة [١] من العدس فوضع الكارة على الأرض ليستريح فنزل قرد من شجرة فأخذ ملء كفّه من العدس و صعد إلى الشجرة فسقطت من يده حبّة فنزل في طلبها فلم يجدها و انتثر ما كان في يده من العدس أجمع، و أنت أيضا أيّها الملك عندك كثير ممّن تحبّ تدعهم و تطلب ما لا تجد، فلمّا سمع الملك ذلك خشي أن تكون إيراخت قد هلكت فقال: إيها [٢] إيلاذ أ من كلمة واحدة فعلت ما أمرتك به من ساعتك و تعلّقت بحرف واحد كان منّي و لم تتثبّت في الأمر؟!
قال إيلاذ: إنّ الذي قوله واحد لا يختلف هو اللّه الذي لا تبديل لكلماته و لا اختلاف لقوله. قال الملك: لقد أفسدت أمري و شدّدت حزني بقتل إيراخت. قال إيلاذ: اثنان ينبغي لهما أن يحزنا: الذي يعمل الإثم في كلّ يوم و الذي لا يعمل خيرا قطّ، لأنّ فرحهما في الدّنيا و نعيمهما قليل و ندامتهما إذ يعاينان الجزاء طويلة لا يستطاع إحصاؤها. قال الملك: لئن رأيت إيراخت حيّة لا أحزن على شيء أبدا. قال إيلاذ:
اثنان لا ينبغي لهما أن يحزنا: المجتهد في البر كلّ يوم، و الذي لم يأثم قطّ. قال الملك: ما أنا بناظر إلى إيراخت أكثر ممّا نظرت. قال إيلاذ: اثنان لا ينظران:
الأعمى و الذي لا عقل له، و كما أنّ الأعمى لا ينظر السّماء و نجومها و أرضها و لا ينظر البعد و القرب كذلك الذي لا عقل له لا يعرف الحسن من القبيح و لا المحسن من المسيء. قال الملك: لو رأيت إيراخت لاشتدّ فرحي. قال إيلاذ: اثنان هما الفرحان: البصير و العالم، فكما أنّ البصير يبصر أمور العالم و ما فيه من الزّيادة
[١] الكارة: وزن معلوم و هي من الثياب بمعنى الرزمة جمعها كارات.
[٢] إيه: اسم فعل فإذا قلت لغيرك إيه بلا تنوين فقد أمرته أن يزيدك من الحديث الذي بينكما المعهود، و إن وصلته بكلام آخر نونته و قد أمرته أن يزيدك حديثا ما، لأن التنوين تنكير و إيها بالفتح أمر بالسكوت.