كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٧٧ - باب القرد و الغيلم
القرد و قال في نفسه: ما احتباس الغيلم و إبطاؤه إلاّ لأمر و لست آمنا أن يكون قلبه قد تغيّر لي و حال عن مودّتي فأراد بي سوءا، فإنه لا شيء أخفّ و أسرع تقلّبا من القلب، و قد يقال: ينبغي للعاقل أن لا يغفل عن التماس ما في نفس أهله و ولده و إخوانه و صديقه عند كلّ أمر و في كلّ لحظة و كلمة و عند القيام و القعود و على كلّ حال، فإنّ ذلك كلّه يشهد على ما في القلوب، و قد قالت العلماء: إذا دخل قلب الصّديق من صديقه ريبة فليأخذ بالحزم في التّحفّظ منه، و ليتفقّد ذلك في لحظاته و حالاته، فإن كان ما يظنّ حقّا ظفر بالسّلامة، و إن كان باطلا ظفر بالحزم و لم يضرّه ذلك.
ثمّ قال للغيلم: ما الذي يحبسك و ما لي أراك مهتمّا كأنّك تحدّث نفسك مرّة أخرى؟قال: يهمّني أنّك تأتي منزلي فلا تجد أمري كما أحبّ لأنّ زوجتي مريضة.
قال القرد: لا تهتمّ فإنّ الهمّ لا يغني عنك شيئا و لكن التمس ما يصلح زوجتك من الأدوية و الأغذية، فإنّه يقال ليبذل ذوو المال مالهم في ثلاثة مواضع: في الصّدقة، و في وقت الحاجة، و على النّساء. قال الغيلم: صدقت، و قد قالت الأطبّاء إنّه لا دواء لها إلاّ قلب قرد. فقال القرد في نفسه: وا أسفاه لقد أدركني الحرص و الشّره على كبر سنّي حتّى وقعت في شرّ ورطة، و لقد صدق الذي قال يعيش القانع الرّاضي مستريحا مطمئنّا و ذو الحرص و الشّره يعيش ما عاش في تعب و نصب [١] و إني قد احتجت الآن إلى عقلي في التماس المخرج ممّا وقعت فيه، ثمّ قال للغيلم: و ما منعك أن تعلمني عند منزلي حتّى كنت أحمل قلبي معي و هذه سنّة [٢] فينا معاشر القردة إذا خرج أحدنا لزيارة صديق خلّف [٣] قلبه عند أهله أو في موضعه لننظر إذا نظرنا إلى حرم المزور و ليس قلوبنا معنا. قال الغيلم: و أين قلبك الآن؟
[١] النصب: التعب.
[٢] سنة: طبيغة.
[٣] خلف: أبقى.